ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
المبحث الأول: فتاوى فضيلة الشيخ محمد سالم الشويرف رحمه الله.
المبحث الثاني: فتاوى فضيلة الشيخ محمد منصور الزالط رحمه الله..
المبحث الثالث: فتاوى دار الإفتاء الليبية في نوازل الزكاة.
المبحث الرابع: فتوى رابطة علما ليبيا في جواز دفع الزكاة للمستشفيات في حال الضرورة.
ضرورة التنظيم القانوني لاستثمار أموال الزكاة في لبيبا
إن أموال الزكاة تتمتع متياز يسمو على أغلب الديون ، فهو مال يستند على مبادئ أساسية ،
فالجميع مشاركين فيه سواء أغنياء خذ من حقهم أم فقراء وما في حكمهم تعطى لهم ، والشريعة
الاسلامية والقوانين وضعت ضمات لتوفير الحماية اللازمة للزكاة واستثمارها بغية الوصول إلى المصلحة
العامة ومعاقبة الفاسدين المشتبه م والمتهربين من دفع الزكاة حاولنا في هذا البحث الاعتماد على
المنهج المقارن لبيان الموقف القانوني والشرعي في استثمار الأموال لاسيما الزكاة ، وأثر ذلك على دخل
البلاد سواء داخليا أو دوليا ، مع الاعتكاف على المنهج التحليلي لضرورته .
إن أهم مصرف في مصارف الزكاة هو الفقير، وقد اختلف الفقهاء في تحديد ماهيته، وفرقوا بينه وبين المسكين، وإن اشتركا في الحاجة والعوز، مع التطرق إلى تحديد الفقير عند صندوق الزكاة الليبي وعالميا وفق ما وضعته المؤسسات الدولية، وقد أثر اختلاف الفقهاء في تحديد ماهية الفقير على تحديد ماهية الغني وفق معيارين، معيار النصاب الشرعي، ومعيار تحصيل الكفاية، مع أن المؤسسات الدولية لم تضع معيارا للغني، وكذلك لم يترك الفقهاء إعطاء الزكاة على عوانه لأي فقير، فقد اشترطوا فيه شروطا، وإن اختلفوا فيها فيما بينهم، كما أن مسألة إثبات الفقر لها أثرها في إعطاء الزكاة، وإن اختلف الفقهاء في بعض صورها، كذلك تحديد كفاية الفقير له أهميته في تحديد مقدار الزكاة الذي يدفع له، وقد اختلف الفقهاء فيه.
ثم إن ثمرة الفقه تظهر في تطبيقه على الوقائع، ومن خلال فتاوى دار الإفتاء الليبية الخاصة بالزكاة وتطبيقاتها المعاصرة، في بيان الفقير المعاصر، وفق مقاصد الشريعة المعتبرة من منظور الفقه المالكي، نجدها حققت مقاصد الشريعة في الزكاة، وتجويزها إعطاء الزكاة للفقير في جانب الضروريات والحاجيات دون التحسنيات، وتحديد ماهية الفقير المعاصر، من خلال منظور الفقه المالكي وأصوله وآراء علمائه، وفتاوى دار الإفتاء المذكورة تؤكد ذلك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد؛
فقد خصصا مكتب زكاة زليتن، وكلية الشريعة والقانون بالجامعة الأسمرية الإسلامية، المؤتمر العلمي الدولي عن فريضة الزكاة، فاختير له عنوان: "الزكاة في ليبيا من منظور شرعي وقانوني"، وجاء تحت شعار: "نحو زكاة فاعلة تحقق مقاصدها"، وبناءً عليه! فقد آثر الباحث أن يسهم بورقة بحثية أعدَّها للمشاركة في هذا المؤتمر، يعرض من خلالها دور فريضة الزكاة ومحاسنها في المجتمع. وهذا البحث ينصبُّ على بيان دور مؤسسة الزكاة وتأثيرها في المجتمع، من خلال ما تقدمه من مشاريع وبرامج لشريحة الفقراء والمحتاجين، مستعينًا في ذلك بعرض تقارير إحصائية لعمل وأنشطة مكتب زكاة زليتن كأنموذج. كما يعرض سيرة مختصرة عن نشأة الدواوين في الإسلام، وبداية تبلور الفكر الإدارية والمؤسسي المنظم لفريضة الزكاة.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهده أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد؛
إِنَّ فريضة الزكاة تعدُّ ركنًا أصيلاً من أركان الإسلام؛ فرضها الله عز وجل لإعانة ومساعدة إحدى شرائح المجتمع التي ذكرها في كتابه، بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.([1])
كما تعتبر الزكاة حقًّا من حقوق الله في أموال عباده المسلمين التي وجبت عليهم؛ وقد أشار الله إلى بعض فوائدها، في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. ([2])
فكان للزكاة الأثر البالغ في المجتمع، وهي أحد الحلول لبعض القضايا كالفقر، وما يترتب عنه، مثل: البطالة، والتسول، والجريمة، وتأخر الزواج...، من خلال سدِّ عوز الفقراء والمحتاجين، وتوفير متطلباتهم الحياتية بما يحفظ كرامتهم، ويحميهم من التسول والانزلاق فى مستنقع الانحراف والجريمة والمخدرات، ويزيل عنهم التمييز والطبقية مع غيرهم من أبناء مجتمعهم، فتتحقق بينهم المحبة والمودة، والرحمة والتلاحم، والوحدة والأخوة الإيمانية التي تجعلهم كالجسد الواحد، كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". ([3])
يُعنى هذا البحث ببيان إخراج القيمة في الزكاة، وصرفها للمراكز والمؤسسات والمنظمات الطبية التي تعنى بالمحتاجين، فالزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وقد حث عليها القرآن الكريم والسنة، ورغبا في إخراجها وأدائها، ورهبا من منعها عن مستحقيها وذويها، وانطلاقا من هذا جاءت هذه الدراسة التي اردنا من خلالها التأكيد على مقصد من المقاصد العظيمة والمنافع الكثيرة للزكاة وهي ارفاق المساكين واحياء النفوس المعرضة للتلف؛ بارتباطها بمسألة مهمة وهي مسألة إخراج القيمة في الزكاة، فتناول هذا البحث تعريفا موجزا للزكاة، ثم الخلاف في إخراج القيمة في الزكاة دون العين، وذكر اختلاف المذاهب فيها وأشرنا إلى أن هذه المسألة تجاذبها أمران: الأول: أنها من المسائل التعبدية من حيث التقدير والتحديد فتقتضي القطعية، وبالتالي القول بعدم إجزاء القيمة، الثاني: أنها معقولة المعنى وعللت بدفع حاجات الفقير، فاقتضى ذلك التخيير بين القيمة والأعيان عند الأحناف واتبعت في هذا البحث المنهج العلمي التكاملي متمثلا في المنهج الوصفي والاستقرائي، والاستنتاجي.
افتتح البحث بمقدمة، وتمهيد، ومطلبين، وخاتمة، أما المقدمة فلبيان فكرة البحث، ومنهجه، وتقسيمه، وخصص التمهيد لتمهيد موجز فيه: مصلحات البحث، أما المطلب الأول فكان لمسألة إخراج القيمة في الزكاة، وأقوال العلماء وأدلتهم في ذلك، والمطلب الثاني حكم إخراج الزكاة للمراكز أو المستشفيات أو المؤسسات التي تعنى بعلاج المحتاجين. واتبعنا المطالب بخاتمة رصدت فيها أهم النتائج المتوصل إليها من خلال البحث، وأردفناها بفهرس المصادر والمراجع
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد... فهذ ورقة بحثية أعددتها للمشاركة في المؤتمر العلمي الدولي - الزكاة في ليبيا من منظور شرعي وقانوني - تحت شعار ( نحو زكاة فاعلة تحقق مقاصدها ) الذي يعقد تحت رعاية مكتب صندوق الزكاة زليتن وكلية الشريعة والقانون بالجامعة الأسمرية الإسلامية .
وقد آثرت أن أكتب عن أحد العلماء الأعلام الشيخ عبدالسلام الأسمر فهو من أبزر رجال القرن العاشر في الدعوة إلى الله ، وصاحب نهج قويم في التجديد والأصالة في عصره ، ومن الشخصيات التي ساهمت في المحافظة على الدين الإسلامي وتثبيت قواعده ، إضافة إلى زاويته العامرة التي أسسها كمنبر للقرآن الكريم والتعليم الشرعي وللوعظ والإرشاد، حيث لعبت دورًا فعّالاً في الحفاظ على الهوية الإسلامية فقد كانت معهدًا لتربية العقول ، ومعبدًا لتطهير القلوب، والذين تربوا تحت ظلالها هم علماؤها وفقهاؤها أسهموا بشكل فعّال داخل ليبيا وخارجها.
وفي هذه الدراسة سأتناول أسرارالزكاة ولطائفها الروحية عند الشيخ عبدالسلام الأسمر من خلال رسائله ووصاياه إلى تلاميذه ومريديه ، وتكمن أهمية البحث في معرفة إبرازمنهج وخواطر الشيخ الأسمر لشعيرة الزكاة ، فهي جزء لا يتجزأ من أحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت لإسعاد البشرية وتحريرها من الظلمات إلى النور، والعبادات هي النور الإلهي للناس جميعا ، التي فيها من الأسرار والثمرات ما لا يحصيه عد ، وقد انتظم هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة.
وما هذه الورقة إلا مساهمة متواضعة من أحد طلاب زاويته العامرة ، غمره الشعور بالانتماء إليها وسعد بانعقاد هذا المؤتمر العلمي في رحابها.
شرع الله فريضة الزكاة لمقاصد عظيمة وحكم سامية وخصها بأحكام تفصيلية من حيث من تجب في حقه ومستحقيها وليس هذا فحسب , بل حدد مقدار نصابها وزمن إخراجها ولمن تعطى, ولكي تتحقق المقاصد التي شرعت الزكاة من أجلها يجب تحقيق الهدف السامي من مشروعيتها ألا وهو سدّ حاجة الفقير, والتسوية بين الناس في سد الحاجات الأساسية, ولهذه التسوية آثاراً إيجابية للقضاء على الكثير من المفاسد والجرائم , وما يواجه المجتمع المسلم من معوقات اقتصادية واجتماعية.
وعليه فإننا نجد ركن الزكاة قد حددته الشريعة بضوابط يتحقق منها الصالح العام, الذي من أجله شرعت الزكاة, و في ظل توسع حاجات الناس وتغير معيار الفقر بتغير أولويات الحياة نظرا لتغير الزمان والمكان واختلاف البيئة نظير تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان . ولذا يجب إيجاد تكييف شرعي واجتماعي يضبط معيار حاجات الفقير وإغنائه عن السؤال دون مخالفة النصوص الشرعية وبما لايتنافى مع مقاصد الزكاة ، وهنا تكمن أهمية هذه الدراسة والذي نأمل أن يكون فيها حل للنوازل الخاصة بتوسع دائرة الآخذين نظراً لتوسع حاجيات الفقير والذي كان سببه اعتبار الزمن المتغير بحاجاته المتغيرة والمتجددة بحيث تكون متوافقة مع روح النص الشرعي والذي مقصده سد حاجة الفقير.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات والأعمال، التي يكسب المؤمن من خلالها الأجر والمثوبة، لا سيما علوم الشريعة، ولقد سخر الله لخدمة دينه أناسا حملوا على عاتقهم خدمة هذا الدين، والدفاع عنه، وألفوا المؤلفات الكثيرة في شتى العلوم، قديما وحديثا، بين منظوم ومنثور، ولعل من بين هؤلاء علم من أعلام مدينتنا الحبيبة مصراتة، وهو الشيخ الفقيه: محمد عبد الرحمن بن نصر بعيو، الذي تصدى للفتوى والوعظ والإرشاد، ومن أبرز ما خلف لنا مخطوطته الشهيرة في الزكاة، والتي نحن الآن بصدد دراستها وتحقيقها لترى النور، وقد جمع فيها مؤلفها بين القديم والحديث، مستدلا تارة بالقرآن والحديث، ومتن ابن عاشر والفطيسية تارة أخرى، وقد تركز الجانب الأول في هذه الدراسة بالتعريف بالشيخ صاحب المخطوط، ولمحة عن حياته، ثم الجانب التحقيقي، وقد ذُيل البحث بخاتمة وتوصيات، وأهم المراجع والمصادر.
(المسائل المستجدة في الزكاة للشيخ فرج الفقيه من خلال اللآلئ المنظومة "عرض وتحليل")، تهدف هذه الدراسة إلى المساهمة في إبراز جهود الشيخ فرج الفقيه في النظم، وتظمينه المسائل المعاصرة في الفقه لمنظومته الفقهية، من خلال تتبع ودراسة المسائل الجديدة والمعاصرة التي ذكرها في اللآلئ المنظومة، مع إبراز القيمة العلمية للمؤلِّف والمؤلّف، ولتحقيق تلك الأهداف من هذه الدراسة فقد اتبعت المنهج الاستقرائي لتتبع سيرة الشيخ وبيان مناقبه، ثم المنهج الوصفي التحليلي، لأصل من خلاله إلى توصيف صحيح للمسائل المعاصرة المذكورة في اللآلئ المنظومة.
حيث قسمته على مبحثين تسبقهما مقدمة، وتلحقهما خاتمة، على النحو التالي: المبحث الأول: تحدثت فيه عن: (الشيخ فرج الفقيه ومنظومته اللآلئ المنظومة)، المبحث الثاني: خصصته لدراسة (المسائل المستجدة المذكورة في المنظومة)، وبعد دراسة تلك المباحث توصلت إلى مجموعة من النتائج؛ وهي: أن الشيخ فرج الفقيه عالم من علماء ليبيا تخصص في الفقه والتفسير واللغة تشهد له دروسه ومؤلفاته بذلك، وأن منظومته هذه من أدق المنظومات وأيسرها عبارة، كذاك نجد أن الشيخ قد افتتح منظومته بباب العقيدة، ثم رتّبها وفق ترتيب أبواب الفقه، فابتدأها بباب الطهارة واختتمها بباب الفرائض، وذكر فيها سبعة مسائل معاصرة، اتبع في أغلبها المذهب المالكي، والمسائل هي: [زكاة العملات الورقية، وزكاة المرتب الشهري، وصرف الزكاة لإقامة مشاريع صغرى للفقراء، وصرفها إلى صندوق الزكاة، وإعطاؤها للنازحين، وبيان الأنصبة بالمكاييل الحديثة، وأخيرا زكاة الفطر].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
فمن المعلوم أنّ الزّكاة أحد أركان الإسلام العظمى، وأعمدته الكبرى، كما أنها ركيزة اجتماعية ومالية مهمة، أسهمت في استقرار المجتمعات، وتقارب الأفراد والجماعات، فتحسّنت بها الأحوال الاقتصادية، والأوضاع المعيشية للمجتمعات الإسلامية، غير أنها لحقها كغيرها من العبادات الإسلامية صورٌ جديدة، ومسائلُ حديثة، اتسع كنفها، وتعدّدت جوانبها، وتشعبت مسائلها، فلم يذكرها العلماء القدامى، ولم يقف عليها المتأخرون؛ لذا دار حولها جدلٌ ولجاج، ونقاشٌ وحجاج، وتكاثرت فيها السؤالات، وعقدت لأجلها المؤتمرات والندوات، وتباينت فيها المجامع والهيئات، غير أن الجواب عنها ليس متعذّرًا ولا متعسّرًا.
إنّ نظرة استقرائية لفتاوى دار الإفتاء الليبية، تعطي السّائل بغيته، والنّاشد ضالته؛ حيث إنها عُنيت بقضايا الزّكاة ومستجداتها، التي نزلت بالناس وطرأت عليهم، وأفردوا لها مساحةً واسعةً في فتاويهم؛ ولأجل إبراز جهود الدار في هذا الباب العظيم، حاولتُ أن ألمّ شتات هذه المسائل، لأجمع ما تناثر منها بين الفتاوى، التي سار فيها أصحابها على المذهب المالكي، وقد اقتصرتُ فيها على مصارف الزّكاة المعاصرة دون غيرها من النّوازل، كما أني جعلتها في أربعة مصارف فقط؛ لأنها التي انطوت على صور معاصرة،
لا يهدف بحثنا الموسوم ب "المقاصد الشرعية للزكاة وأثرها في الحفاظ على المجتمع" إلى إبانة المقاصد الشرعية للزكاة في حد ذاتها, وإنما ما يترتب عليها من آثار- وهي ما يعرف بالمقاصد التبعية-, تكوّن شخصية المسلم وتصقل وجدانه وذلك من خلال الامتثال لأوامر الله سبحانه بإعطاء الزكاة وما يترتب عليها من تزكية للنفس وتطهير للمال وحلول البركة فيه, وتحقيق المحبة والمودة وتوثيق العلاقة بين أفراد المجتمع بحيث يصبح المجتمع بيتا واحدا, وما يترتب -أيضا- من تحقيق الآمن وصيانة المجتمع بسد حاجات الفقير؛ مما يؤدي إلى تقليل الجريمة والفاحشة, وهو ما يعود على البلاد بالخير الجزيل بعد حل مشكلة الفقر لأبنائها, والقضاء على الاكتناز و تحسين حالها اقتصادها
يهدف هذا البحث إلى دراسة موضوع (الرقابة الشرعية على مؤسسات الزكاة المعاصرة)؛ لما لها من دورٍ كبير في تلك المؤسسات التي اقتضتها ظروف التطبيق المعاصر لهذه الفريضة، ومساهمتها في إنجاح العمل فيها. وقد تناول الرقابة الشرعية من حيث: حقيقتها، ونشأتها، وأهمية وجودها في المؤسسات الزكوية، وأهدافها. كما استعرض البحث دور الرقابة الشرعية في مؤسسات الزكاة من حيث مهامها ومراحلها الشرعية التنفيذية
إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
لقد فرض الله سبحانه وتعالى الزكاة على عباده المؤمنين وجعلها من أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بها جميعا، قال تعالى:{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة : 103]، ويعلم الجميع الحكمة من فرضية الزكاة وما لها من الفضائل العظمى والمكاسب الجمة في الدولة الإسلامية، وخاصة عندما تتولى القيام بهذه الفريضة هي بنفسها بين أفرادها، ويتجلى ذلك في وصية رسول الله ـﷺـ لمعاذ ـ رضي الله تعالى عنه ـ حينما بعثه واليا على اليمن : قَالَ « إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».[1] فتؤخذ الزكاة من النقد وعروض التجارة ومن المواشي وثمار الزروع بنسب معروفة عند المسلمين، لا ترهق دافعي الزكاة، وتسد حاجة الفقير والمسكين، وتفي بإقامة المصالح العامة، فهي عبادة مالية، يَكفُر جاحدُها، ويُقاتَلُ مانعُها،
وفي بلادنا ليبيا الحبيبة حفظها الله تسير الخطى فيها حثيثة لتطبيق هذه الفريضة التطبيق الصحيح مثلما كانت عليه في عهد النبي ـﷺـ وصحابته من بعده بتولي الدولة نفسها جمع الزكاة من الأغنياء، فأنشأت صندوقا للزكاة على مستوى الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية، وأنشأت له فروعا في كل المناطق تتولى جمع الزكاة من أصحابها وتوزيعها على مستحقيها، وتواجه العاملين بهذه المكاتب مستجدات بسبب التطور الاقتصادي السريع في العالم، تحتاج إلى فتاوى شرعية تحكم النزاع في هذه المستجدات.
ومن بين هذه المستجدات زكاة الشركات والمصانع و زكاة الأسهم المالية، تحديدها وكيف تتم زكاتها؟
ركز البحث على دراسة مسألة استقلال الذمة المالية للشركة التابعة عن الشركة القابضة وأثر استقلالها من عدمه في باب الزكاة، وهل يعد ما تموله الشركة القابضة للشركة التابعة ديناً ثابتاً في ذمة أجنبي، ومن أبرز نتائج البحث أن الذمة المالية للشركة التابعة غير مستقلة عن الذمة المالية للشركة القابضة إذا كانت الذمة المالية للشركة التابعة مملوكة بكاملها للشركة القابضة، أما إذا كانت مملوكة جزئياً فإن الذمة المالية لها مستقلة ولو كانت الشركة القابضة هي التي تتحكم في قرارات الشركة التابعة وإدارتها، وإذا كانت الشركة التابعة مملوكة بكاملها للشركة القابضة فالتعاملات المالية بين الشركتين لا تعد كعقود مبرمة بين طرفين أجنبيين فهي أموال تديرها الشركة القابضة بين فروعها، وعلى هذا لا يجب على الشركة القابضة أن تحسب الدين الذي تمول به الشركة التابعة وتضمه إلى الوعاء الزكوي، أما إذا كانت الشركة التابعة مملوكة جزئياً للشركة القابضة فعلى الشركة القابضة أن تزكي من الدين بقدر نسبة الملاك الآخرين في الشركة التابعة، وللشركة التابعة أن تحسم من وعائها الزكوي بقدر هذه النسبة.
هدفت الدراسة إلى تقديم إطار نظري حول مفهوم الحوكمة ومكوناتها، ومعرفة النواحي الإيجابية لحوكمة الزكــاة وكيفية الاستفادة منها، بالإضافة إلى توضيح أهمية الحوكمة ودورها في تحقيق التنمية بشكل مستــدام يجمع بين الأبعاد المختلفة للتنمية المستدامة: البعد الاقتصادي، الاجتماعي والبيئي. إعتمدت الدراسة على المنهج الاستقرائي والاستنباطي باعتباره منهجية دقيقة وتساهم بشكل مباشر في الوقوف على مختلف الخلفيات النظرية التي تناولت موضوع الحوكمة ومدي امكانية تعميمها على الزكــاة ومحاولة ربطها مع إشكالية التنمية المستدامة، وتوصلت إلى مجموعة من النتائج منها أن التنمية المستدامة مسؤولية وهدف للجميع، لذلك فإن نشر التوعية من متطلبات الإعداد لهذه العملية ويؤدي إلى وعي المساهمين والمؤسسات بمبادئ الحوكمة، وأوصت الدراسة إلى ضرورة تحديد متطلبات الحوكمة والسعي لتطبيقها والعمل بموجبها في مؤسسات الزكاة وبما يتلائم والبيئة المحيطة.
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على من تشرفت الدنيا بمبعثه هادياً ومبشراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، وبعد:
فإن من مقتضيات العدل الإلهي أن الله تعالى حينما فرض الزكاة لم يترك تحديد أوعيتها لاجتهاد البشر، وإنما حصرها في مصارف مخصوصة بعينها جمعها قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [1](3) فهي ثمانية أصناف تستوعب كل ذي عوز وفاقة، ولم يبق ذو احتياج إلاّ وهو داخل فيها.
ويمَكّن افتتاح هذه الآية بالفقير واختتامها بابن السبيل من قراءة واستبصار إيضاءات القرآن وإيحاءاته إلى نكات إعجازية في الجمع بين الفقير والغني في استحقاق الزكاة في مواقف محددة بعينها، بحيث تكون الحاجة مظنة الدفع في الفقر، وكذا احتياج من قُطعت به السبل أو خرج مجاهداً في سبيل الله تاركاً ماله وعياله ولو كان غنيّاً، فصار في حكم الفقير، ومن ثم استوجب دفع الزكاة له، بل وتقديمه على بعض المصارف الأخرى، ويشهد لذلك اختتام الآية بقوله " والله عليم حكيم " فهو تذييل " أفاده الحصر بإنّما في قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين إلخ أي والله عليم حكيم في قصر الصدقات على هؤلاء، أيْ أنّه صادر عن العليم الذي يعلم ما يناسب في الأحكام، والحكيمِ الذي أحكم الأشياء التي خلقها أو شرعها "[2](1)
وقد اختيرت هذه المصارف لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، فضلا عن استتباب الأمن وصرف أعين المحتاجين عما في أيدي ذوي الغنى واليسار.
ثم إن المصلحة في أداء الزكاة يجني ثمارها الأغنياء قبل الفقراء؛ لأنهم يسهمون بها في تنمية ودعم القوة الشرائية للفقراء، فتنمو بذلك أموال المزكين ويربح المجتمع كله بكثرة التعاملات النفعية والمبادلات المادية، لذا عقّب السياق القرآني بعد ذكر المصارف بقوله تعالى " فريضة من الله " وجاء لفظ فريضة منصوباً " لأنّه يفيد معنى فَرضَ اللَّهُ أو أوجبَ ، فأكّد بفريضة من لفظ المقدّر ومعناه، والمقصود من هذا تعظيم شأن هذا الحكم والأمر بالوقوف عنده" [3](2)
واتّباعاً لما هو وارد في محاور المؤتمر وإيماناً بأهدافه السامية التي منها " تحليل واقع الزكاة في المجتمع الليبي بهدف تحسينه، والارتقاء بتطبيقاتها العملية المعاصرة " فإن الباحث سيتناول مسألة " تحديد النصاب" التي هي من ضمن عناصر المحور الأول الشرعي (فقه الزكاة بين التزام التوقيف ومراعاة المقاصد ) مع الاقتصار على نصاب النقود والعملات الورقية المتعامل بها الآن.
يتناول البحث مصرفاً من مصارف الزكاة، ورد مقدماً في الرتبة على غيره من المصارف بعد مصرف الفقير والمسكين ألا وهو "مصرف العاملين عليها"، وذلك من حيث التعريف بالعامل على الزكاة، والشروط الواجب توافرها فيمن يرتَّب لهذا المنصب، ثم الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها مع بيان أجرته ومقدارها.
كما يعني البحث بصورة أساسية وبمزيد من التركيز والعناية بدراسة المؤسسات والهيئات الزكوية التي تشرف عليها الدولة من منظور شرعي، مع ذكر فتاوي علمائنا المعاصرين في حكم دفع الزكاة لهذه الجهات.
ثم يلقي البحث الضوء على القانون رقم 13 لسنة 1997م بشأن تنظيم الزكاة وصرفها ولائحته التنفيذية، والقرار رقم 49 لسنة 2012م بشأن إنشاء صندوق الزكاة مبيناً في ذلك المزايا والمآخذ، والكيفية التي يتم من خلالها صرف الأموال الزكوية على مستحقيها.
ربطت الشريعة الإسلامية الإيراد بالإنفاق ،ووضحت الجهات التي يجب أن تصرف إليها الزكاة ،واهتمام الشارع بتوجيه الموارد ،وتقديم رعاية دائمة لفئات اجتماعية معينة.
وتعد الزكاة من أكثر أدوات المصارف الإسلامية فاعلية ،وأهمية في تحقيق أهدافه الاجتماعية ،فالدور الذي يلعبه المصرف الإسلامي في ممارسة هذه الخدمة يعد منسجمًا ومكملًا لباقي الأدوار الاقتصادية المنوط بها ،بل جزء مهم من صميم عملها ونشأتها.
فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام وهى عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله U شرعت لسد الحاجة للفقراء والمحرومين لكي يمكنهم العيش وبما يوفر لهم الأمن الاقتصادي ،وجعلها الله I حقًا لهم وليست منة من أحد لكي يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم بما يوفر لهم الأمن النفسي, كما جعلها فرضا على الأغنياء وتطهيرا لأنفسهم من الشح والبخل, وتزكية وبركة في أموالهم بما يوفر لهم الأمن النفسي والمالي, وهكذا تعمل الزكاة على تحقيق التكافل الاجتماعي وإشباع حاجات الفقراء وتحقيق العدالة والتي تعتبر جميعًا من مقومات الأمن المجتمعي الذي يؤدى إلى الاستقرار والتماسك الاجتماعي وغرس قيم المحبة والانتماء والولاء بين أفراد المجتمع ونشر الأمن والطمأنينة في ربوعه ويبعد الخوف ويحد من الانحرافات والجرائم في المجتمع ،وذلك أن المصرف الإسلامي عندما يقوم بتسلم أموال الزكاة ،وتوزيعها على مستحقيها ،فهو يؤدي عملًا إيجابيًا في خدمة الحياة الاجتماعية .
ومن هذا المنطلق جاءت الدراسة موسومة ب"دور الزكاة في المصارف الإسلامية" ،وتهدف الدراسة إلى استثمار المال وتنميته ،ودفع عجلة الاقتصاد ،وتحريكها باستمرار ،وجعل النقود في تداول سريع ،مما يحفظ للاقتصاد حيويته وكفاءته ،وتبيين أن الزكاة تعد من أهم الأدوات فاعلة في المصرف الإسلامي.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وجلائل نعمه ودقائق ألطافه لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله وحبيبه ، نبي الرحمة وشفيع الأمة وقائد أهل الإسلام إلى دار السلام ، صلى الله عليه وعلى آله الذين كتب الله لهم التطهير من كل الأرجاس والأدران ، وعلى صحابته مصابيح الدجى ومنارات الهدى لكل الأزمان، وعلى تابعيهم ومن تبعهم بإحسان في كل وقت وآن وبعد:
إن الزكاة حق لله تعالى الذي فرضه في أموال المسلمين شكرا لنعمته تعالى وتقربا إليه وتزكية للنفس والمال وتعطى لمن سماهم في كتابه في كتابه العزيز من الفقراء والمساكين وسائر الفئات المستحقة. فالزكاة عي فريضة مالية تقتطعها الدولة أو من ينوب عنها من الأشخاص العامة أو الأفراد قسرا وبصفة نهائية ودون أن يكون لها مقابل معين، وتفرضها الدولة طبقا لقدرة الممول إلا أنها تستخدمها في تغطية نفقات المصارف الثمانية المحددة في القرآن الكريم أو الوفاء بمقتضيات السياسة المالية العامة للدولة. فمنخلال ما سبق يمكن القول أن الزكاة عبارة عن مورد اقتصادي هام يعمل على إعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة، وقد تعددت صور نوتزل الزكاة وتنوعت وحرصا على معرفة الحكم الشرعي و آراء العلماء، واجتهد الباحثان في هذا البحث والذي جاء بعنوان: زكاة أسهم الشركات دراسة تأصيلية.الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد/
لقد خلق الله العباد لعبادته سبحانه، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وفرض عليهم فرائض تحقق لهم السعادة إن هم التزموها، ومن هذه الفرائض فريضة الزكاة التي هي إحدى أركان الإسلام العظيم، التي حذَّر النبي-r- من منعها والتهاون بها، فقد ورد في الحديث قولهr: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، وذكر منها "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا"[1] ، هذه الزكاة تتغير صورها بتغير المعاملات المالية، ومستجدات الحياة المادية، ما جعلنا نغوص في أعماق مستجداتها ونوازلها، لنبحث عن أحكامها الجليلة بما يحقق مقاصد الشريعة، في تحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول، فالثوابت التي جاءت بها الشريعة الغراء بنصوصها الصريحة تبقى على ثبوتها، ويتغير اجتهاد الفقهاء والعلماء بتغير المصالح جلباً، والمفاسد درءً، لذا كان التركيز في هذا البحث عن المستجدات، التي تحتاج لاجتهادات جديدة، أو لإعادة الاجتهاد في بعض المسائل، ليتماشى الحكم مع مقتضيات الواقع الجديد، لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ومع تشعب هذا الموضوع، وكثرة الآراء في أحكامه، وسعة الاختلاف في أدلته، لذا كان الاختصار غير المُخِلّ هو سيد الموقف، وقد اعتمدت في هذا البحث منهج الاستدلال والاستنتاج المقاصدي، منهج مبني على التفكير العلمي الصحيح، المستند إلى الأدلة المعتبرة.
الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،
ومن تبعهم حسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن من أعظم مقاصد الإسلام التآلف والتآخي بين المسلمين، ولذا جعل الله الزكاة من أركان هذا
مستجدةٌ في قضا الزكاة، كان لزاما الدين العظيم، يواسي ا الغني الفقير، ولما كانت تعرض للمسلمين نوازُل
على المفتي أن يراعي فيها مقاصد الشريعة.
ومن هنا جاء عنوان البحث: (فتاوى دار الإفتاء الليبية بين التزام المذهب ومراعاة المقاصد "بعض
فتاوى الزكاة أنموذجا") وقد تناول فيه الباحث التعريف لفتوى والمذهب والمقاصد، وعرف بدار الإفتاء الليبية
ذاكرا أنواع الفتوى ا، كما تحدث الباحث في هذه الدراسة عن منهجية وآلية الفتوى المكتوبة لدى دار الإفتاء
الليبية، ثم تعرض لبعض مسائل الزكاة التي أفتت فيها الدار، مبينا النظرة المقاصدية في الفتوى مع عرض الخلاف
ُمد في البحث على المنهج الاستقرائي لاستقراء آراء الفقهاء وقواعد
في المسألة بين المذاهب إن وجد، واعت
الأصوليين في المسألة، والمنهج الوصفي في وصف النظرة المقاصدية في كل فتوى.
وانتهى الباحث بذكر النتائج وبعض التوصيات.
منذ أن فرض الله الزكاة على المسلمين في العام الهجري الثاني والزكاة تلعب دورا مهما في سد خلة المحتاج، والنهوض بأعباء مختلفة في خدمة الدين والمجتمع، وكان تطبيق هذه الشعيرة محل اهتمام كبير من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من العلماء والأمراء باعتبارها ركنا مهما من أركان الإسلام الخمسة. ففي العهد النبوي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السعاة إلى المناطق المختلفة لجمع الزكاة، وكان عليه الصلاة والسلام والخليفتان من بعده يأخذون الزكاة من كل الأموال، إلى أن فوض عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته أداء الزكاة إلى ملاكها عن الأموال الباطنة.
وتعتبر الزكاة أحد المصادر المهمة لبيت مال المسلمين، حيث إن هذا البيت يجمع الزكاة بمختلف أنواعها وأموال الغنائم والفيء والأموال الضائعة وأموال من لا وارث لهم... وقد اتفق الفقهاء على أن للإمام جباية زكاة الأموال الظاهرة (الزروع والمواشي والثمار والمعادن) والأموال الباطنة (الذهب والفضة وعروض التجارة والركاز). ولم يزل الاهتمام بالزكاة يزيد وينقص من عصر إلى آخر حتى جاء العصر الحديث، والذي تميز بظهور مؤسسات خاصة تعنى بهذه الشعيرة، وتحاول الاستفادة من مستجدات العصر في جمع وتوزيع الزكاة.
فرض الله الزكاة وجعلها ثالث أركان الإسلام وإحدى مبانيه العظام، بأدائها يدخل المرء جماعة المسلمين ويستحق أخوتهم قال تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون) ([1]) وبما أن تمليك الزكاة للمستحقين ركن من أركانها تترتب عليه كثير من القضايا الفقهية الفرعية التي تُعنى بصرف الزكاة، فهو موضوع مهم يحتاج إليه المفتون والمشتغلون بالعمل الزكوي حتى تصرف الزكاة في مصارفها الشرعية التي حددها الله في كتابه الكريم، بيد أن هذا التحديد لم يغلق الاجتهاد في كيفية إيصال الزكاة للمستحقين وتوزيعها؛ لذلك اختلف الفقهاء الأوائل والمعاصرون في حد التمليك وفي حكمه الشرعي، ومما يزيد موضوع تمليك الزكاة اهتمامًا:
ــــــ ظهور موضوع استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية تؤمن موردًا ماليا يتصف بالديمومة والاستمرار لمستحقي الزكاة؛ لكن العامل المؤثر بعدم جواز الاستثمار هو موضوع التمليك.
ــــــــ اختلاف الفقهاء في حكم التمليك أدى إلى اختلافهم في كثير من القضايا الفرعية التي تخص الزكاة؛ مثل: إبراء الدَّين عن المعسر أو إسقاطه لا يجزئ في الزكاة ولا يجوز، ولا يقضى من مال الزكاة دين على ميت لعدم أهليته لقبولها عند الأحناف، وبناء المدارس والمستشفيات ودور الرعاية وغيرها من وجوه البر هل يجوز صرف الزكاة لها بوصفها شخصية اعتبارية أم لا يجوز لأنه لا يتأتى منها التمليك؟
إن ركن الزكاة ركن عظيم من أركان الإسلام، له أحكامه منذ نزلت آيات فرض الزكاة، سواء في جبايتها أو صرفها، من خلال تحديد النصاب المحدد الذي تجب فيه في مختلف أنواع المال، أو في تحديد أوجه صرفها، من خلال تحديد الأصناف الذين تجب لهم الزكاة دون غيرهم، وهو ما جعلها تتميز بنظام خاص يخصها عن غيرها من الأنظمة المالية الأخرى، سواء في العهد الأول للإسلام أو في العهد الحديث، ولهذا فإن الزكاة في الإسلام تعد نظاما ماليا واجتماعيا خاصا، تحكمه قواعد محدده، بمخالفتها ينزل التصرف إلى مرحلة عدم الجواز شرعا وقانونا، وهو ما تنبه له المشرع الليبي في قوانين الزكاة؛ إذا جعلها مشتقة من أحكام الشرع الحنيف، وأخضعها لنظام الشريعة الإسلامية، كونها كنظام مفروض يستند في أحكامه العامة والتفصيلية على أحكام شرعية تميزه عن الأنظمة المالية الحديثة، وكذلك الحال بالنسبة لصدقة التطوع التي تعد مرتبطة بنية القائم بها ولها أحكامها الشرعية المتميزة، وهنا تبرز أهمية البحث في كونه يتناول خصوصية مال الزكاة والصدقة وما يرتبه من تميز النظام الرقابي على مال الزكاة والصدقة عن النظم المالية الحديثة، ومن خلال العمل كمستشار قانوني لمكتب صندوق الزكاة زليتن والاحتكاك بالواقع العملي، واجهتنا إشكالية تتمثل في مدي اختصاص ديوان المحاسبة بالرقابة على مال الزكاة والصدقة بالاستناد على القانون المالي للدولة واللوائح الصادرة بمقتضاه؟