ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
تعد الطرق الصوفية أحد المنابر العلمية للتعليم في حياة أفراد المجتمع الليبي عبر التاريخ فالشواهد التاريخية لأماكن تعلم أبناء هذا الوطن في العشرينات ،والخمسينات من القرن الماضي خير دليل على ذلك فانتشر التعليم في كل مدن ليبيا فقد زودت أبناء هذا الوطن بطرق تعلم الدين الإسلامي، بل ساعدت هذه الطرق الصوفية ورجالها في الدفاع عن الوطن ضد المحتل الأجنبي في تلك الفترة بكل أشكاله ولملمت الصفوف في وحدة الوطن، في فترة الاستقلال وانطلقت من مبادئ الدين الإسلامي التي تعزز وحدة الوطن والأخوة ونزع الخلافات، والفتن، وجعلت هذا الوطن سفينة نجاة لأفراد المجتمع من الحروب ،والنزاعات بدءاً من دور رجال التصوف في الإصلاح الاجتماعي بين الأفراد، والعائلات، والقبائل الليبية ،فهم يمثلون دعامة الإصلاح الاجتماعي لرفع هموم الوطن ،والمواطن من أجل مجتمع تسوده المحبة ،والتآلف انطلاقاً من التدين الذي يهذب النفوس والضمائر لما فيه خير الأسرة ،والمجتمع جميعاً.
وفي هذا السياق تعد هذه الدراسة من الدراسات النادرة في حقل علم الاجتماع الديني التي تحاول التعرف على دور رجال التصوف الديني في الإصلاح الاجتماعي بين العائلات الليبية ولعل الشواهد كثيرة يتناولها الليبيون بالمفخرة والامتنان لهؤلاء الرجال في حلهم لعديد المنازعات ،والمشاكل في المجتمع، وفي كل مدينة ليبية فهناك مئات القضايا التي تم الفصل فيها بطرق عرفية بين الأفراد ،والعائلات الليبية بفضل رجال التصوف الديني أو ما يسمى لجان الصلح الاجتماعي، أو لجان فض النزاعات ،وقد صعب على الباحث عرضها في هذه الدراسة وذلك حفاظاً على سريتها وخصوصية الموضوعات التي تناولتها.
هدفت هذه الدراسة إلى بيان طبيعة العلاقة بين العولمة ومسألة بناء وتشكيل الهوية الدينية، وذلك اعتماداً على قراءة تحليلية لأثر الإعلام الجديد على الهوية الدينية الليبية، ووظفت الدراسة المنهج الاستنباطي، وهو المنهج الذي ينتقل فيه الاستنتاج من الكل إلى الجزء ويبدأ الاستنباط من القواعد الكلية، ومن ثم يستنبط منها القواعد التي يتم تطبيقها، بالإضافة إلى الاعتماد على افتراضات نظرية الغرس الثقافي.
ومن المأمول أن تصل نتائج الدراسة الحالية إلى تقديم فهم حقيقي لأثر الإعلام الجديد بكافة وسائله على الهوية الدينية الليبية، ومن ثم فهم دور هذه الوسائل في تشكيل وبناء الهوية الدينية لفئات المجتمع المذكور.
إن قضية وجود التصوف في البلاد الليبية قضية محسومة لا سبيل لنقضها أو إنكارها، وهو من المكونات البارزة للهوية الثقافية في هذه البلاد منذ مئات السنين؛ لذلك فإن مسألة إنهائه أو إقصائه - كما يحاول البعض – هي محض عبث لا جدوى منه؛ فلقد تلقاه أهل هذه البلاد وتقبلوه جيلا عن جيل. وبدلا عن محاولة هدمه والقضاء عليه وعلى أهله، فإن الأولى الذهاب إلى علاج مسائله وتوجيه سلوك أتباعه وتصحيح الانحرافات والمغالطات التي لحقت به، انطلاقا من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع لين الخطاب، وحسن آداب الحوار، فإن أغلب العلوم وقع فيها الخطأ والدس والتحريف، بعمد أو بغير عمد، ودخول من ليس منه فيه، وهذ الأمر لا يقف على التصوف وحده؛ فكيف يهاجم ويوصف بمثل ما يوصف به اليوم دون باقي العلوم!!
فما يُميز منهج الأسلاف وجهود ما ترسخ على أيديهم في المجتمع الليبي عبر مراحله التاريخية وتطوره، أنه حافظ على روح التوازن بين البعد التربوي والاجتهاد الفقهي، وقد كان هذان البعدان سمة الاقتران فيما بينهما، من بدايات نشأة المدرسة المالكية، مما أنتج كمالاً وتوازناً في هوية المجتمع الليبي بين أفراده وجماعاته، وفهما صحيحا لجوهر ولُبّ وسطية الشرع الإسلامي، وتيسير الأخذ به في تطبيقاته، مما عكس ذلك سلوكا مثاليا طيلة الفترة التي كانت المؤسسات العلمية وروابطها وزواياها عامرة بهذا المنهج المتزن والمتكامل ، فلم يسجل التاريخ الليبي في فترة حياة هذه المنهجية العلمية أي نتاج متطرف أو فكر منحرف، يحمل صُوراً فكرية مشوهة أو مشبوهة، وقد تحققت هوية هذا الاعتدال بمنهجية الاقتران بين تزكية النفوس، والجانب الفقهي، فهذان الطريقان بوجودهما معا يحققان المصلحة الكبرى في إيجاد ما تتهيأ به النفوس بما يصلحها، ويصقل القلوب بما يطهرها؛ ليكون أصحابها على استعداد فطري سليم يحصن الفكر والعقل من كل التفسيرات الشاذة، والانحرافات المتطرفة التي أعيت المجتمعات في هذا العصر بما يحمل أصحابها من رعونات في النفوس، وقساوةٍ في القلوب، وعصبية في الطباع، فظهرت تطبيقاتهم الدينية وتأويلاتهم الفكرية في غاية من التطرف والتشدد والتّزمت، لا يعرفون لمنهج الاجتهاد وقواعد اختلافه أي اعتبار، فضاق نطاق فكرهم بألا يستوعبوا سماحة الدين ومساحة سعة رقعته الاجتهادية والعمل بمقاصده الشرعية إلى أن وصلوا بنطاقهم الضيق حد التكفير والتفجير لمن خالفهم ولم ينجر وراء انحدارهم التعصبي.
يهدف البحث إلى إبراز جهود علماء بلادنا ومواقفهم في الحفاظ على الهُويّة الدينيّة الليبيّة، وأيضا التعرّف على إسهامات علماء بلادنا في تأليف الكتب فيما يتعلق بالمذهب المالكي بالإضافة إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة؛ التي سنقف على إجابة لها ضمن النتائج التي حقّقتها من هذه الدراسة. هذه الدراسة التي هي جزء من كتاب الشّذرات الشذيّة للشيخ الطيب المصراتي، الذي تناول فيه عديد من الجوانب الفقهية والسلوكيّة والأخلاقيّة وفق المذهب المالكي، وسيكون الحديث عن الآداب والأخلاق والسلوك المهم في حياتنا الاجتماعية من أجل الحفاظ على الهُويّة في مجتمعنا، وهي تعد ركيزة مهمّة لسالك المذهب المالكيّ سواء من جانبه الفقهي أو العقدي أو جانب الإحسان (التصوّف)، فهذه الأمور الثلاث (الآداب والأخلاق والسلوك) لها أثر كبير في تغيير حياة المجتمع إذا ما أخذت بعين الاعتبار من قبل المربّين وغرسها في أذهان النشء.
إن من فطرة الله – تعالى- أنه يبعث للأمة مِن مدة لأخرى مَن يجدد لها دينها؛ وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، فكان من هؤلاء الدعاة المجددين الإمام الداعية: محمد بن علي السنوسي، الذي درس واقع الأمة، وأعد العدة، فتبحر في علوم عِدة، وانطلق لنشر الدعوة، فكان عالي الهمة، مخلص النية في نشر الدعوة الإسلامية، فأحبه الخواص والعوام، بحيث انتشرت دعوته بين المشرق والمغرب، وقد وجدت حضنها الدافئ في ليبيا الحبيبة، فتغلغلت في المجتمع الليبي، وجمعته على العقيدة السليمة، وسارت به على طريق الإحسان، فحافظت على الهوية الدينية في ليبيا، المتمثلة في الأشعرية عقيدة، والمالكية فقها، والتصوف منهاجا وسلوكا؛ فكانت خير مثال للحركات التجديدية التي غيرت واقع المسلمين بفضل مؤسسها؛ لذا سنكشف اللثام عنها؛ للإفادة منها، وسنبين دور التصوف في نجاحها.