ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
إن تتبع كتب علماء أمتنا ودراستها وإظهارها هو في حقيقته حفاظ على تراثها وهويتها، وتخليد لتاريخها ومجدها، ومن هذا التاريخ وهذا التراث ما كتبه علماء ليبيا في كل المجالات، فقد كتب علماؤها وألفوا في فروع العلم؛ إيمانا منهم بخدمة الدين العظيم، ونشر العلم والوعي والثقافة، ومن هؤلاء الأعلام الشيخ: أحمد بن محمد بن حسن بن حمادي -رحمه الله تعالى-، فقد ألف كتبا كثيرة في الفقه والتصوف، ومن هذه الكتب كتاب: (منة الخالق على المخلوق في أسقاط ما عليه من الحقوق)، فهو كتاب مهم جدا في بابه، حيث بيّن فيه فضل الله ومنته على خلقه في تشريع عبادات وأذكار وأوراد تسقط ما عليهم من الحقوق والواجبات، إذا فاتهم أداؤها، وقد رأيت أن أدرس منهج الشيخ في كتابه هذا؛ إبرازا لجهود علماء ليبيا في خدمة الدين، والمحافظة على الهوية، وإحياء مؤلفاتهم، والإشادة بجهودهم.
بادئ ذي بدء أحمد الله تعالى وأشكره على ما من به علينا من حب العلم والعلماء وسلوك طر يقهم القو يم، وإن المرء ليشرف بهذا المسلك بشرف أهله وذو يه، وإن من بين علماء الأمة وأعلامها علامة ليبيا فضيلة الشيخ عبد السلام الأسمر العالم الرباني المصلح الاجتماعي والمعلم النوراني الذي ذاع صيته واشتهر اسمه، وها نحن اليوم نكتب عنه وكأنه بيننا، ولا شك أنه بيننا بعلومه النافعة وآثاره الطيبة المباركة، وإن الذكر الحسن للإنسان عمر ثان له، وهذا من كرم الله لعباده المؤمنين ولورثة الأنبياء من العلماء العاملين حيث إن الله تبارك وتعالي قال وقوله الحق (إنا َنحن ُنحى ٱلموتى ونكتب ما قدموا وأثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).
فما يُميز منهج الأسلاف وجهود ما ترسخ على أيديهم في المجتمع الليبي عبر مراحله التاريخية وتطوره، أنه حافظ على روح التوازن بين البعد التربوي والاجتهاد الفقهي، وقد كان هذان البعدان سمة الاقتران فيما بينهما، من بدايات نشأة المدرسة المالكية، مما أنتج كمالاً وتوازناً في هوية المجتمع الليبي بين أفراده وجماعاته، وفهما صحيحا لجوهر ولُبّ وسطية الشرع الإسلامي، وتيسير الأخذ به في تطبيقاته، مما عكس ذلك سلوكا مثاليا طيلة الفترة التي كانت المؤسسات العلمية وروابطها وزواياها عامرة بهذا المنهج المتزن والمتكامل ، فلم يسجل التاريخ الليبي في فترة حياة هذه المنهجية العلمية أي نتاج متطرف أو فكر منحرف، يحمل صُوراً فكرية مشوهة أو مشبوهة، وقد تحققت هوية هذا الاعتدال بمنهجية الاقتران بين تزكية النفوس، والجانب الفقهي، فهذان الطريقان بوجودهما معا يحققان المصلحة الكبرى في إيجاد ما تتهيأ به النفوس بما يصلحها، ويصقل القلوب بما يطهرها؛ ليكون أصحابها على استعداد فطري سليم يحصن الفكر والعقل من كل التفسيرات الشاذة، والانحرافات المتطرفة التي أعيت المجتمعات في هذا العصر بما يحمل أصحابها من رعونات في النفوس، وقساوةٍ في القلوب، وعصبية في الطباع، فظهرت تطبيقاتهم الدينية وتأويلاتهم الفكرية في غاية من التطرف والتشدد والتّزمت، لا يعرفون لمنهج الاجتهاد وقواعد اختلافه أي اعتبار، فضاق نطاق فكرهم بألا يستوعبوا سماحة الدين ومساحة سعة رقعته الاجتهادية والعمل بمقاصده الشرعية إلى أن وصلوا بنطاقهم الضيق حد التكفير والتفجير لمن خالفهم ولم ينجر وراء انحدارهم التعصبي.
يهدف البحث إلى:
استطاع المذهب المالكي أن يُشكِّل الهوية الدينية للمغرب العربي، مما جعله أحد أبرز وأهم ممثلي التوجه الديني السني في هذه البلاد، والمسهم الأكبر في رسم هويتها الدينية، الأمر الذي جعله خط الدفاع الأول في وجه الحركات الساعية لطمس الهوية الدينية وتغييرها لهذه المنطقة، ولعل من أبرز الحركات التي سعت لهذا الأمر عبر التاريخ المغربي هي الدولة الفاطمية الشيعية، التي انتهجت سياسيةً تقوم على مواجهة المذهب المالكي المتجذِّر في البلاد المغربية عامة والليبية خاصة، في محاولةٍ منها لاجتثاث هذا المذهب، لعلها تتمكن من فرض فكرها ومذهبها، مما أدخلها في صراع مع علماء المالكية، الذين عملوا على مواجهة هذا المشروع والعمل على إسقاطه، فاستخدموا كل ما يملكونه من قدرات وإمكانات حتى استطاعوا أن ينجحوا في إسقاط هذا المشروع مع المعز بن باديس في سنة 435هـ، الأمر الذي دفعني لدراسة هذا الصراع وآثاره، مبيناً دور العلماء وجهودهم في الحفاظ على الهوية الدينية للبلاد الليبية.
تعد الزاوية الأسمرية من أكبر الصروح العلمية داخل القطر الليبي، وذلك لمسيرتها العلمية المتصاعدة، والتي لم يتخللها أي انقطاع، من يوم تأسيسها على يد الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري ، فكانت مصبا لجميع طلاب العلوم الشرعية من داخل القطر، كما كانت قلعة من قلاع الهوية الليبية كيف لا وهي جزء من ثقافتها العريقة، وما يهم هذا البحث هو الهوية الفقهية المالكية، والتي رسختها هذه الزاوية، وذلك باستقطاب كبار علماء البلد المتخصصين في هذا المذهب، والذين بدورهم درّسوا كتبه المتنوعة، ليتخرج من بين عرصات هذه الزاوية كوكبة من التلاميذ النجباء، ليصبحوا نجوما في سماء هذه البلد، مرسخين لهويتها الدينية في قلوب الأجيال من بعدهم، لهذا جاءت فكرة هذا البحث.
هذه الورقة تتحدث عن علماء الأسرة الحطّابية المنتسبين إلى المذهب المالكي، وتذكر جهودهم، ومؤلفاتهم، ورحلاتهم العلمية، ومشايخهم، وتلامذتهم، وذلك ضمن المدة الزمنية الممتدة خلال القرن العاشر الهجري. ويأتي اختيار هذه الأسرة من أجل إبراز جهود العلماء الليبيين في خدمة المذهب المالكي، الّذي كان لبعضهم سبق الفضل في إدخال الموطأ، بل المذهب المالكي إلى المغرب الإسلامي، فقد كان لأبي الحسن علي بن زياد الأطرابلسي: (ت: 183هـ) دور ريادي ومحوري، وأثر مخلّد، وتاريخي في ذلك.
يهدف البحث إلى إبراز جهود علماء بلادنا ومواقفهم في الحفاظ على الهُويّة الدينيّة الليبيّة، وأيضا التعرّف على إسهامات علماء بلادنا في تأليف الكتب فيما يتعلق بالمذهب المالكي بالإضافة إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة؛ التي سنقف على إجابة لها ضمن النتائج التي حقّقتها من هذه الدراسة. هذه الدراسة التي هي جزء من كتاب الشّذرات الشذيّة للشيخ الطيب المصراتي، الذي تناول فيه عديد من الجوانب الفقهية والسلوكيّة والأخلاقيّة وفق المذهب المالكي، وسيكون الحديث عن الآداب والأخلاق والسلوك المهم في حياتنا الاجتماعية من أجل الحفاظ على الهُويّة في مجتمعنا، وهي تعد ركيزة مهمّة لسالك المذهب المالكيّ سواء من جانبه الفقهي أو العقدي أو جانب الإحسان (التصوّف)، فهذه الأمور الثلاث (الآداب والأخلاق والسلوك) لها أثر كبير في تغيير حياة المجتمع إذا ما أخذت بعين الاعتبار من قبل المربّين وغرسها في أذهان النشء.
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- و بعد:
فالهوية الإسلامية هي الانتماء إلى الله ورسوله، وإلى دين الإسلام وعقيدة التوحيد، التي أكمل الله لنا بها الدين، وأتم علينا بها النعمة، وجعل َنا بها خير َ أمة أخرجت للناس، والحفاظ عليها مقصد مهم للمؤمن، فهو يتنا هي ديننا وعقيدتنا، وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ومنهجنا الإيماني. وعليه؛ فقد جاءت هذه الدراسة لتسهم في إبراز جهود علماء الأمة، والدعاة المخلصين في الحفاظ على الهو ية الدينية الخالية من مظاهر النفاق، وقد كان للدكتور عمرو خليفة النامي منهجية واضحة بينها في كتابه: "ظاهرة النفاق في إطار الموازين الإسلام ية"؛ لعلها تكون قدوة يقتدي بها المربون في غرس إ براز الهو ية الإسلامية الصحيحة، وغرس معاني التقوى والفضيلة في النفوس فتصبح تلك المعاني سجية لهم، ومعلما أصيلا لشخصيتهم، ومنهاجا للحفاظ على هويتهم الدينية، وتنشئة الأجيال عليها.
إن الخارجية لطخة سوداء في تاريخ الأمة الإسلامية وجبينها الوضاء، بحيث حذر منهم رسول الله ﷺ، وقد عمَّ خطرهم حياة المسلمين في جميع نواحي الحياة عقديا وفقهيا وسلوكيا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا وأمنيا، واليوم وقد برزوا في ثوب جديد بشعارات براقة خداعة ظاهرها الرحمة بخلاف باطنها، يغتر بها وبهم السذج من المغرر بهم، فاستلزم ذلك أن يتصدى لهم علماء الأمة الإسلامية المخلصون لبيان الحق وكشف الحقيقة، فكان هذا باعثا للباحث ليكتب هذه الوريقات، وهو سبب وجيه وجدير بالقبول، كيف لا والموضوع من الأهمية بمكان؟! فخطره لم يغب عن ساحة المسلمين اليوم في العديد من البلدان العربية؛ التي منها بلدنا الجريح العراق، وكذلك بلدنا الثاني ليبيا الأبية العزيزة.
على هذا الأساس بنيت فكرة البحث، باستعراض تأريخ التشريع الإسلامي السمح البعيد عن التطرف والغلو والجمود، الذي ازدان بشعار الأئمة الكرام: (رأيي هذا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب). وهو كنز من كنوز الحكمة:﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ سورة البقرة، الآية:269. تدعو بصراحة إلى فسح المجال للغير حتى يقبل على الحوار الهادف البناء بغية الوصول إلى الحقيقة، وهي بشكل آو آخر قريب من تفسير لقوله تعالى:﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، سورة سبأ، الآية: 24، بمعنى اتصاف أحد الفريقين من الموحدين والمشركين بأحد الأمرين: الثبات على الهدى كالجبال، أو الانغماس في دياجير الضلال، وهو عين الإنصاف، فكل من سمعه من موافق أو مخالف يلزمه القول للمخاطب به: إن صاحبك أنصفك حقا.