ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
يقوم هذا البحث على تناول الثنائية التي تنتاب الهوية الدينية الليبية، حيث ينطلق من فرضية أن الهوية الدينية لليبيين قد مرت بمرحلة استتباب وثبات استمرت لقرون طويلة، حتى شهدت مؤخراً قدراً من التأثر والتضعضع المفضي إلى بوادر حالة استلاب، صرنا نراها تبدرُ في خطواتها الأولى وسط بلدنا العزيز.
وقد اصطنعتُ هذا المسطور الذي بين يديك، لأجل دراسة تينكَ الحالتين للهوية الدينية الليبية، واهتممتُ بوضع تمهيد لأجل تشخيص للحالة الدينية بشكل عام في ليبيا. ثم رأيت من المهم والنافع تناول الركائز والعناصر الرئيسة التي قامت عليها الهوية الدينية في ليبيا، أعني الثلاثي العتيق الماكث والمتجذر في ليبيا على كل المستويات: تراثياً، وثقافياً، وتاريخياً، وعلمياً. ذاك الثلاثي هو: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف المعتدل.
لأجل ذلك تناولت الوجود التاريخي، لكل عنصر من تلكم الثلاثة العتيقة العريقة. بمنهجية مزجت فيها كلاً من المنهج الاستردادي، والتحليلي. على نحو مكثّف غير منبسط، بحكم ضيق البراح الزمني المتاح لدي في تناول هذا الموضوع.
كما أني اهتممت -عقب ذلك- بالكلام عن الهوية الدينية الليبية من جهة كونها عاشت حالة استتباب، ومن جهة كونها مهددة بسُنوح بوادر الاستلاب، حيث ركّزت على تبيان ما أراه من مظاهر، وبواعث، ومترتبات كلٍ من الحالتين.
هدفت هذه الدراسة إلى بيان طبيعة العلاقة بين العولمة ومسألة بناء وتشكيل الهوية الدينية، وذلك اعتماداً على قراءة تحليلية لأثر الإعلام الجديد على الهوية الدينية الليبية، ووظفت الدراسة المنهج الاستنباطي، وهو المنهج الذي ينتقل فيه الاستنتاج من الكل إلى الجزء ويبدأ الاستنباط من القواعد الكلية، ومن ثم يستنبط منها القواعد التي يتم تطبيقها، بالإضافة إلى الاعتماد على افتراضات نظرية الغرس الثقافي.
ومن المأمول أن تصل نتائج الدراسة الحالية إلى تقديم فهم حقيقي لأثر الإعلام الجديد بكافة وسائله على الهوية الدينية الليبية، ومن ثم فهم دور هذه الوسائل في تشكيل وبناء الهوية الدينية لفئات المجتمع المذكور.
استطاع المذهب المالكي أن يُشكِّل الهوية الدينية للمغرب العربي، مما جعله أحد أبرز وأهم ممثلي التوجه الديني السني في هذه البلاد، والمسهم الأكبر في رسم هويتها الدينية، الأمر الذي جعله خط الدفاع الأول في وجه الحركات الساعية لطمس الهوية الدينية وتغييرها لهذه المنطقة، ولعل من أبرز الحركات التي سعت لهذا الأمر عبر التاريخ المغربي هي الدولة الفاطمية الشيعية، التي انتهجت سياسيةً تقوم على مواجهة المذهب المالكي المتجذِّر في البلاد المغربية عامة والليبية خاصة، في محاولةٍ منها لاجتثاث هذا المذهب، لعلها تتمكن من فرض فكرها ومذهبها، مما أدخلها في صراع مع علماء المالكية، الذين عملوا على مواجهة هذا المشروع والعمل على إسقاطه، فاستخدموا كل ما يملكونه من قدرات وإمكانات حتى استطاعوا أن ينجحوا في إسقاط هذا المشروع مع المعز بن باديس في سنة 435هـ، الأمر الذي دفعني لدراسة هذا الصراع وآثاره، مبيناً دور العلماء وجهودهم في الحفاظ على الهوية الدينية للبلاد الليبية.
عرف العالم في الثلث الأخير من القرن الماضي تحوّلات عميقة، يُعدّ أبرزها سقوط جدار برلين وتفكّك الاتّحاد السوفياتي، ممّا عجّل بظهور نظام دولي جديد سعى للسيطرة على دول العالم وصهرها في بوتقته دون مراعاة لخصوصيات الشّعوب الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة.
تمثّل مسألة الهوية هاجسا فكريّا لأغلب نخب العالم، وتحدّيا واقعيا للكثير من الشعوب، ولعلّ سؤال الهوية يزداد إلحاحا في العالم الإسلامي وخاصة في الدول العربية التي شهد الكثير منها انتفاضات شعبية عارمة، استطاع بعضها الإحاطة بأنظمة عتيّة كما هو الحال في ليبيا.
وتنتمي ليبيا إلى دول المغرب العربي والتي تدين جميعها بالإسلام فقد تمّ فتحها مبكرا وتحديدا في العشرية الثانية من القرن الأول للهجرة، ممّا أثّر بعمق في الشخصيّة اللّيبية وصاغ جانبا هامّا من كينونتها.
وتدين الأغلبية الساحقة من سكّان ليبيا بالإسلام، وقد ثبت منهج الإمام الأشعري (ت324هـ/936م) في العقيدة ومذهب مالك (ت179هــ/795م) في الفقه وطريقة الجنيد (ت297هـ/910م) السالك في التربية، لكن في السنوات الأخيرة وبعد سقوط نظام معمّر القذّافي (ت2011م). برزت بعض التيّارات التي ناصبت العداء للأشاعرة والصوفيّة، ودعت إلى تأسيس هوية جديدة لليبيا. لذلك يطرح اليوم هذا المؤتمر إشكالية الهوية الدّينيّة في ليبيا.
لكن ما علاقة سؤال الهوية بالنظام العالمي الجديد؟ وهل من علاقة بين الأوضاع الداخليّة وسؤال الهوية الدينيّة؟ وما هي مشروعية خطاب كلّ منهما؟ وهل أنّ خطابهما اليوم قادر على مواجهة التحدّيات الراهنة؟ وهل من سبيل إلى تجديد المدرسة الأشعريّة والمدرسة السنّية؟.
انتشر المذهب المالكي في غالبية البلاد، وأصبح هذا المذهب جزءًا من هويته، ومن ثم فالمساس به مساس بهوية البلاد، ولا يخفى الأثر السيء لذلك، فقد تسببت التيارات الفقهية الدخيلة في التشويش على العامة أحكام دينها، وعملت على تشويه رموزها الدينية، ونزع ثقة الناس بهم، وإحداث فوضى فقهية، وزعم أن الهوية الليبية بها الكثير من المخالفات الشرعية، وألا علاقة بين الفقه وهوية الشعوب؛ بل الفقه كتاب وسنة فقط. وحسب اطلاعي المتواضع على المؤلفات الحديثة لم أجد من يدرس الأصل المالكي " عمل أهل المدينة " من زاوية أثره وتأثّره بالهوية، بما تتضمنه من أعراف وعادات وتقاليد، إلا مرجعًا واحدًا، سأذكره – بعون الله – في ثنايا البحث، واقتصرت بقية المصادر على دراسته دراسة أصولية محضة، وهذا في حد ذاته شكّل صعوبة في دراسة هذا الموضوع من هذه الزاوية.
تعد الزاوية الأسمرية من أكبر الصروح العلمية داخل القطر الليبي، وذلك لمسيرتها العلمية المتصاعدة، والتي لم يتخللها أي انقطاع، من يوم تأسيسها على يد الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري ، فكانت مصبا لجميع طلاب العلوم الشرعية من داخل القطر، كما كانت قلعة من قلاع الهوية الليبية كيف لا وهي جزء من ثقافتها العريقة، وما يهم هذا البحث هو الهوية الفقهية المالكية، والتي رسختها هذه الزاوية، وذلك باستقطاب كبار علماء البلد المتخصصين في هذا المذهب، والذين بدورهم درّسوا كتبه المتنوعة، ليتخرج من بين عرصات هذه الزاوية كوكبة من التلاميذ النجباء، ليصبحوا نجوما في سماء هذه البلد، مرسخين لهويتها الدينية في قلوب الأجيال من بعدهم، لهذا جاءت فكرة هذا البحث.
يهدف البحث إلى:
إن من فطرة الله – تعالى- أنه يبعث للأمة مِن مدة لأخرى مَن يجدد لها دينها؛ وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، فكان من هؤلاء الدعاة المجددين الإمام الداعية: محمد بن علي السنوسي، الذي درس واقع الأمة، وأعد العدة، فتبحر في علوم عِدة، وانطلق لنشر الدعوة، فكان عالي الهمة، مخلص النية في نشر الدعوة الإسلامية، فأحبه الخواص والعوام، بحيث انتشرت دعوته بين المشرق والمغرب، وقد وجدت حضنها الدافئ في ليبيا الحبيبة، فتغلغلت في المجتمع الليبي، وجمعته على العقيدة السليمة، وسارت به على طريق الإحسان، فحافظت على الهوية الدينية في ليبيا، المتمثلة في الأشعرية عقيدة، والمالكية فقها، والتصوف منهاجا وسلوكا؛ فكانت خير مثال للحركات التجديدية التي غيرت واقع المسلمين بفضل مؤسسها؛ لذا سنكشف اللثام عنها؛ للإفادة منها، وسنبين دور التصوف في نجاحها.
لما كانت قراءة الإمام نافع من أهم جوانب الهوية الليبية الدينية التي توارثتها الأجيال كابراً عن كابر منذ أوائل دخولها إلى طرابلس الغرب من القرن 02هـ/08م إلى القرن 08هـ/14م، وقد تحددت هذه المدة الزمنية نسبة لأهم عوامل إرساء هذه القراءة في فتراتها الإسلامية الأولى وذلك من اجل الإجابة عن الأسئلة الآتية:
وذلك من أجل الوصول إلى أهم نتيجتين، هما: