ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
يتناول هذا البحث امتداد العقيدة الأشعرية على مستوى المذاهب الفقهية الأربعة، رحم الله أئمتها وعلماءها ومقلديها، وخصوصا المذهب المالكي والمذهب الشافعي، ويستعرض بعض نصوصهم في تقرير العقيدة الأشعرية، وينفي عنهم تهمة مخالفة أئمة مذاهبهم في العقيدة.
فهوية علمائنا بتنوع تخصصاتهم وميلوهم ليست وليدة لحظة أو عقد من الزمان أو قرن، بل هي صبغة مورّثة من أسلفاهم بأسانيدهم كابراً عن كابرٍ، فلا يخفى على أحد من الدارسين لتاريخ الفقه وتاريخ العقيدة أو الدارسين لكتب التراجم والموسوعات بأنّ علماءنا كانوا في السائد هم على مذاهب أهل السنة التي انتشرت غربا وشرقاً، المجمع على صحتها وقوتها وأصولها وفرعها، فهم في العقيدة على مذهب الإمام الأشعري، وفي الفقه فهم على مذهب عالم أهل المدينة الإمام مالك بن أنس، وفي التصوف فهم على مشرب الإمام الجنيد، رضي الله عنهم جميعاً، وأجمل ما قيل في هذا المعنى ما قاله العلامة ابن عاشر في المرشد المعين:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وانطلاقاً من هذه القاعدة الجليلة، سأتكلم عن رجال الإفتاء في بلادنا، مع نقل لبعض رجال الإفتاء من المذهب الحنفي؛ وذلك لأنهم كانوا على رأس الإفتاء لقرون، وبما أن الإفتاء الرسمي في بلادنا انحصر فيما وقفت عليه -مع ندرة المراجع وتبعثرها في الخزائن الخاصة وكثير منها مازال حبيسها-، في الفقه الحنفي والفقه المالكي، فسأتكلم على رجال الفتوى من الفقه المالكي لسواده في بلادنا، وعن رجال الفتوى من الفقه الحنفي لأنهم مارسوه في بلادنا، وأعتذر عن رجال الفقه الإباضي لعدم وقوفي على رجاله المفتين رسمياً فيما اطلعت عليه من المراجع والمصادر.
إن من فطرة الله – تعالى- أنه يبعث للأمة مِن مدة لأخرى مَن يجدد لها دينها؛ وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، فكان من هؤلاء الدعاة المجددين الإمام الداعية: محمد بن علي السنوسي، الذي درس واقع الأمة، وأعد العدة، فتبحر في علوم عِدة، وانطلق لنشر الدعوة، فكان عالي الهمة، مخلص النية في نشر الدعوة الإسلامية، فأحبه الخواص والعوام، بحيث انتشرت دعوته بين المشرق والمغرب، وقد وجدت حضنها الدافئ في ليبيا الحبيبة، فتغلغلت في المجتمع الليبي، وجمعته على العقيدة السليمة، وسارت به على طريق الإحسان، فحافظت على الهوية الدينية في ليبيا، المتمثلة في الأشعرية عقيدة، والمالكية فقها، والتصوف منهاجا وسلوكا؛ فكانت خير مثال للحركات التجديدية التي غيرت واقع المسلمين بفضل مؤسسها؛ لذا سنكشف اللثام عنها؛ للإفادة منها، وسنبين دور التصوف في نجاحها.
عرف العالم في الثلث الأخير من القرن الماضي تحوّلات عميقة، يُعدّ أبرزها سقوط جدار برلين وتفكّك الاتّحاد السوفياتي، ممّا عجّل بظهور نظام دولي جديد سعى للسيطرة على دول العالم وصهرها في بوتقته دون مراعاة لخصوصيات الشّعوب الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة.
تمثّل مسألة الهوية هاجسا فكريّا لأغلب نخب العالم، وتحدّيا واقعيا للكثير من الشعوب، ولعلّ سؤال الهوية يزداد إلحاحا في العالم الإسلامي وخاصة في الدول العربية التي شهد الكثير منها انتفاضات شعبية عارمة، استطاع بعضها الإحاطة بأنظمة عتيّة كما هو الحال في ليبيا.
وتنتمي ليبيا إلى دول المغرب العربي والتي تدين جميعها بالإسلام فقد تمّ فتحها مبكرا وتحديدا في العشرية الثانية من القرن الأول للهجرة، ممّا أثّر بعمق في الشخصيّة اللّيبية وصاغ جانبا هامّا من كينونتها.
وتدين الأغلبية الساحقة من سكّان ليبيا بالإسلام، وقد ثبت منهج الإمام الأشعري (ت324هـ/936م) في العقيدة ومذهب مالك (ت179هــ/795م) في الفقه وطريقة الجنيد (ت297هـ/910م) السالك في التربية، لكن في السنوات الأخيرة وبعد سقوط نظام معمّر القذّافي (ت2011م). برزت بعض التيّارات التي ناصبت العداء للأشاعرة والصوفيّة، ودعت إلى تأسيس هوية جديدة لليبيا. لذلك يطرح اليوم هذا المؤتمر إشكالية الهوية الدّينيّة في ليبيا.
لكن ما علاقة سؤال الهوية بالنظام العالمي الجديد؟ وهل من علاقة بين الأوضاع الداخليّة وسؤال الهوية الدينيّة؟ وما هي مشروعية خطاب كلّ منهما؟ وهل أنّ خطابهما اليوم قادر على مواجهة التحدّيات الراهنة؟ وهل من سبيل إلى تجديد المدرسة الأشعريّة والمدرسة السنّية؟.
يقوم هذا البحث على تناول الثنائية التي تنتاب الهوية الدينية الليبية، حيث ينطلق من فرضية أن الهوية الدينية لليبيين قد مرت بمرحلة استتباب وثبات استمرت لقرون طويلة، حتى شهدت مؤخراً قدراً من التأثر والتضعضع المفضي إلى بوادر حالة استلاب، صرنا نراها تبدرُ في خطواتها الأولى وسط بلدنا العزيز.
وقد اصطنعتُ هذا المسطور الذي بين يديك، لأجل دراسة تينكَ الحالتين للهوية الدينية الليبية، واهتممتُ بوضع تمهيد لأجل تشخيص للحالة الدينية بشكل عام في ليبيا. ثم رأيت من المهم والنافع تناول الركائز والعناصر الرئيسة التي قامت عليها الهوية الدينية في ليبيا، أعني الثلاثي العتيق الماكث والمتجذر في ليبيا على كل المستويات: تراثياً، وثقافياً، وتاريخياً، وعلمياً. ذاك الثلاثي هو: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف المعتدل.
لأجل ذلك تناولت الوجود التاريخي، لكل عنصر من تلكم الثلاثة العتيقة العريقة. بمنهجية مزجت فيها كلاً من المنهج الاستردادي، والتحليلي. على نحو مكثّف غير منبسط، بحكم ضيق البراح الزمني المتاح لدي في تناول هذا الموضوع.
كما أني اهتممت -عقب ذلك- بالكلام عن الهوية الدينية الليبية من جهة كونها عاشت حالة استتباب، ومن جهة كونها مهددة بسُنوح بوادر الاستلاب، حيث ركّزت على تبيان ما أراه من مظاهر، وبواعث، ومترتبات كلٍ من الحالتين.