ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
لابد لأي علم من أصول يستند عليها وقواعد تحصر تطبيقاته العملية، والمتتبع لتاريخ العلوم الشرعية يجد أنها مرت في تطورها بالعديد من المراحل حتى تبلورت وتميزت عن غيرها من العلوم، وكان من هذه المراحل مرحلة التقعيد. وهذا أمر ينطبق على علم السلوك الذي يستمد أصوله من (الإحسان) الذي هو أمر من أمور الدين الوارد ذكره في حديث جبريل عليه السلام، والتقعيد في علم السلوك إذا ذكر يذكر معه الشيخ أحمد زروق الذي أفرد له كتابا بعنوان: (قواعد التصوف)، وبذلك يستبين دور الشيخ زروق في التقعيد لعلم السلوك، ومن خلال هذا الدور يستبين دور المدرسة المالكية في تطوير هذا العلم. كما تهدف هذه الورقة إلى إبراز دور المدرسة المالكية في علم التربية والسلوك.
فهوية علمائنا بتنوع تخصصاتهم وميلوهم ليست وليدة لحظة أو عقد من الزمان أو قرن، بل هي صبغة مورّثة من أسلفاهم بأسانيدهم كابراً عن كابرٍ، فلا يخفى على أحد من الدارسين لتاريخ الفقه وتاريخ العقيدة أو الدارسين لكتب التراجم والموسوعات بأنّ علماءنا كانوا في السائد هم على مذاهب أهل السنة التي انتشرت غربا وشرقاً، المجمع على صحتها وقوتها وأصولها وفرعها، فهم في العقيدة على مذهب الإمام الأشعري، وفي الفقه فهم على مذهب عالم أهل المدينة الإمام مالك بن أنس، وفي التصوف فهم على مشرب الإمام الجنيد، رضي الله عنهم جميعاً، وأجمل ما قيل في هذا المعنى ما قاله العلامة ابن عاشر في المرشد المعين:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وانطلاقاً من هذه القاعدة الجليلة، سأتكلم عن رجال الإفتاء في بلادنا، مع نقل لبعض رجال الإفتاء من المذهب الحنفي؛ وذلك لأنهم كانوا على رأس الإفتاء لقرون، وبما أن الإفتاء الرسمي في بلادنا انحصر فيما وقفت عليه -مع ندرة المراجع وتبعثرها في الخزائن الخاصة وكثير منها مازال حبيسها-، في الفقه الحنفي والفقه المالكي، فسأتكلم على رجال الفتوى من الفقه المالكي لسواده في بلادنا، وعن رجال الفتوى من الفقه الحنفي لأنهم مارسوه في بلادنا، وأعتذر عن رجال الفقه الإباضي لعدم وقوفي على رجاله المفتين رسمياً فيما اطلعت عليه من المراجع والمصادر.