ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
بادئ ذي بدء أحمد الله تعالى وأشكره على ما من به علينا من حب العلم والعلماء وسلوك طر يقهم القو يم، وإن المرء ليشرف بهذا المسلك بشرف أهله وذو يه، وإن من بين علماء الأمة وأعلامها علامة ليبيا فضيلة الشيخ عبد السلام الأسمر العالم الرباني المصلح الاجتماعي والمعلم النوراني الذي ذاع صيته واشتهر اسمه، وها نحن اليوم نكتب عنه وكأنه بيننا، ولا شك أنه بيننا بعلومه النافعة وآثاره الطيبة المباركة، وإن الذكر الحسن للإنسان عمر ثان له، وهذا من كرم الله لعباده المؤمنين ولورثة الأنبياء من العلماء العاملين حيث إن الله تبارك وتعالي قال وقوله الحق (إنا َنحن ُنحى ٱلموتى ونكتب ما قدموا وأثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).
عرف العالم في الثلث الأخير من القرن الماضي تحوّلات عميقة، يُعدّ أبرزها سقوط جدار برلين وتفكّك الاتّحاد السوفياتي، ممّا عجّل بظهور نظام دولي جديد سعى للسيطرة على دول العالم وصهرها في بوتقته دون مراعاة لخصوصيات الشّعوب الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة.
تمثّل مسألة الهوية هاجسا فكريّا لأغلب نخب العالم، وتحدّيا واقعيا للكثير من الشعوب، ولعلّ سؤال الهوية يزداد إلحاحا في العالم الإسلامي وخاصة في الدول العربية التي شهد الكثير منها انتفاضات شعبية عارمة، استطاع بعضها الإحاطة بأنظمة عتيّة كما هو الحال في ليبيا.
وتنتمي ليبيا إلى دول المغرب العربي والتي تدين جميعها بالإسلام فقد تمّ فتحها مبكرا وتحديدا في العشرية الثانية من القرن الأول للهجرة، ممّا أثّر بعمق في الشخصيّة اللّيبية وصاغ جانبا هامّا من كينونتها.
وتدين الأغلبية الساحقة من سكّان ليبيا بالإسلام، وقد ثبت منهج الإمام الأشعري (ت324هـ/936م) في العقيدة ومذهب مالك (ت179هــ/795م) في الفقه وطريقة الجنيد (ت297هـ/910م) السالك في التربية، لكن في السنوات الأخيرة وبعد سقوط نظام معمّر القذّافي (ت2011م). برزت بعض التيّارات التي ناصبت العداء للأشاعرة والصوفيّة، ودعت إلى تأسيس هوية جديدة لليبيا. لذلك يطرح اليوم هذا المؤتمر إشكالية الهوية الدّينيّة في ليبيا.
لكن ما علاقة سؤال الهوية بالنظام العالمي الجديد؟ وهل من علاقة بين الأوضاع الداخليّة وسؤال الهوية الدينيّة؟ وما هي مشروعية خطاب كلّ منهما؟ وهل أنّ خطابهما اليوم قادر على مواجهة التحدّيات الراهنة؟ وهل من سبيل إلى تجديد المدرسة الأشعريّة والمدرسة السنّية؟.