ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
لا يهدف بحثنا الموسوم ب "المقاصد الشرعية للزكاة وأثرها في الحفاظ على المجتمع" إلى إبانة المقاصد الشرعية للزكاة في حد ذاتها, وإنما ما يترتب عليها من آثار- وهي ما يعرف بالمقاصد التبعية-, تكوّن شخصية المسلم وتصقل وجدانه وذلك من خلال الامتثال لأوامر الله سبحانه بإعطاء الزكاة وما يترتب عليها من تزكية للنفس وتطهير للمال وحلول البركة فيه, وتحقيق المحبة والمودة وتوثيق العلاقة بين أفراد المجتمع بحيث يصبح المجتمع بيتا واحدا, وما يترتب -أيضا- من تحقيق الآمن وصيانة المجتمع بسد حاجات الفقير؛ مما يؤدي إلى تقليل الجريمة والفاحشة, وهو ما يعود على البلاد بالخير الجزيل بعد حل مشكلة الفقر لأبنائها, والقضاء على الاكتناز و تحسين حالها اقتصادها
الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين،
ومن تبعهم حسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن من أعظم مقاصد الإسلام التآلف والتآخي بين المسلمين، ولذا جعل الله الزكاة من أركان هذا
مستجدةٌ في قضا الزكاة، كان لزاما الدين العظيم، يواسي ا الغني الفقير، ولما كانت تعرض للمسلمين نوازُل
على المفتي أن يراعي فيها مقاصد الشريعة.
ومن هنا جاء عنوان البحث: (فتاوى دار الإفتاء الليبية بين التزام المذهب ومراعاة المقاصد "بعض
فتاوى الزكاة أنموذجا") وقد تناول فيه الباحث التعريف لفتوى والمذهب والمقاصد، وعرف بدار الإفتاء الليبية
ذاكرا أنواع الفتوى ا، كما تحدث الباحث في هذه الدراسة عن منهجية وآلية الفتوى المكتوبة لدى دار الإفتاء
الليبية، ثم تعرض لبعض مسائل الزكاة التي أفتت فيها الدار، مبينا النظرة المقاصدية في الفتوى مع عرض الخلاف
ُمد في البحث على المنهج الاستقرائي لاستقراء آراء الفقهاء وقواعد
في المسألة بين المذاهب إن وجد، واعت
الأصوليين في المسألة، والمنهج الوصفي في وصف النظرة المقاصدية في كل فتوى.
وانتهى الباحث بذكر النتائج وبعض التوصيات.
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد/
لقد خلق الله العباد لعبادته سبحانه، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وفرض عليهم فرائض تحقق لهم السعادة إن هم التزموها، ومن هذه الفرائض فريضة الزكاة التي هي إحدى أركان الإسلام العظيم، التي حذَّر النبي-r- من منعها والتهاون بها، فقد ورد في الحديث قولهr: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، وذكر منها "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا"[1] ، هذه الزكاة تتغير صورها بتغير المعاملات المالية، ومستجدات الحياة المادية، ما جعلنا نغوص في أعماق مستجداتها ونوازلها، لنبحث عن أحكامها الجليلة بما يحقق مقاصد الشريعة، في تحقيق مصالح الأفراد والجماعات والدول، فالثوابت التي جاءت بها الشريعة الغراء بنصوصها الصريحة تبقى على ثبوتها، ويتغير اجتهاد الفقهاء والعلماء بتغير المصالح جلباً، والمفاسد درءً، لذا كان التركيز في هذا البحث عن المستجدات، التي تحتاج لاجتهادات جديدة، أو لإعادة الاجتهاد في بعض المسائل، ليتماشى الحكم مع مقتضيات الواقع الجديد، لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ومع تشعب هذا الموضوع، وكثرة الآراء في أحكامه، وسعة الاختلاف في أدلته، لذا كان الاختصار غير المُخِلّ هو سيد الموقف، وقد اعتمدت في هذا البحث منهج الاستدلال والاستنتاج المقاصدي، منهج مبني على التفكير العلمي الصحيح، المستند إلى الأدلة المعتبرة.
شرع الله فريضة الزكاة لمقاصد عظيمة وحكم سامية وخصها بأحكام تفصيلية من حيث من تجب في حقه ومستحقيها وليس هذا فحسب , بل حدد مقدار نصابها وزمن إخراجها ولمن تعطى, ولكي تتحقق المقاصد التي شرعت الزكاة من أجلها يجب تحقيق الهدف السامي من مشروعيتها ألا وهو سدّ حاجة الفقير, والتسوية بين الناس في سد الحاجات الأساسية, ولهذه التسوية آثاراً إيجابية للقضاء على الكثير من المفاسد والجرائم , وما يواجه المجتمع المسلم من معوقات اقتصادية واجتماعية.
وعليه فإننا نجد ركن الزكاة قد حددته الشريعة بضوابط يتحقق منها الصالح العام, الذي من أجله شرعت الزكاة, و في ظل توسع حاجات الناس وتغير معيار الفقر بتغير أولويات الحياة نظرا لتغير الزمان والمكان واختلاف البيئة نظير تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان . ولذا يجب إيجاد تكييف شرعي واجتماعي يضبط معيار حاجات الفقير وإغنائه عن السؤال دون مخالفة النصوص الشرعية وبما لايتنافى مع مقاصد الزكاة ، وهنا تكمن أهمية هذه الدراسة والذي نأمل أن يكون فيها حل للنوازل الخاصة بتوسع دائرة الآخذين نظراً لتوسع حاجيات الفقير والذي كان سببه اعتبار الزمن المتغير بحاجاته المتغيرة والمتجددة بحيث تكون متوافقة مع روح النص الشرعي والذي مقصده سد حاجة الفقير.
يُعنى هذا البحث ببيان إخراج القيمة في الزكاة، وصرفها للمراكز والمؤسسات والمنظمات الطبية التي تعنى بالمحتاجين، فالزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وقد حث عليها القرآن الكريم والسنة، ورغبا في إخراجها وأدائها، ورهبا من منعها عن مستحقيها وذويها، وانطلاقا من هذا جاءت هذه الدراسة التي اردنا من خلالها التأكيد على مقصد من المقاصد العظيمة والمنافع الكثيرة للزكاة وهي ارفاق المساكين واحياء النفوس المعرضة للتلف؛ بارتباطها بمسألة مهمة وهي مسألة إخراج القيمة في الزكاة، فتناول هذا البحث تعريفا موجزا للزكاة، ثم الخلاف في إخراج القيمة في الزكاة دون العين، وذكر اختلاف المذاهب فيها وأشرنا إلى أن هذه المسألة تجاذبها أمران: الأول: أنها من المسائل التعبدية من حيث التقدير والتحديد فتقتضي القطعية، وبالتالي القول بعدم إجزاء القيمة، الثاني: أنها معقولة المعنى وعللت بدفع حاجات الفقير، فاقتضى ذلك التخيير بين القيمة والأعيان عند الأحناف واتبعت في هذا البحث المنهج العلمي التكاملي متمثلا في المنهج الوصفي والاستقرائي، والاستنتاجي.
افتتح البحث بمقدمة، وتمهيد، ومطلبين، وخاتمة، أما المقدمة فلبيان فكرة البحث، ومنهجه، وتقسيمه، وخصص التمهيد لتمهيد موجز فيه: مصلحات البحث، أما المطلب الأول فكان لمسألة إخراج القيمة في الزكاة، وأقوال العلماء وأدلتهم في ذلك، والمطلب الثاني حكم إخراج الزكاة للمراكز أو المستشفيات أو المؤسسات التي تعنى بعلاج المحتاجين. واتبعنا المطالب بخاتمة رصدت فيها أهم النتائج المتوصل إليها من خلال البحث، وأردفناها بفهرس المصادر والمراجع
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله على من تشرفت الدنيا بمبعثه هادياً ومبشراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، وبعد:
فإن من مقتضيات العدل الإلهي أن الله تعالى حينما فرض الزكاة لم يترك تحديد أوعيتها لاجتهاد البشر، وإنما حصرها في مصارف مخصوصة بعينها جمعها قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [1](3) فهي ثمانية أصناف تستوعب كل ذي عوز وفاقة، ولم يبق ذو احتياج إلاّ وهو داخل فيها.
ويمَكّن افتتاح هذه الآية بالفقير واختتامها بابن السبيل من قراءة واستبصار إيضاءات القرآن وإيحاءاته إلى نكات إعجازية في الجمع بين الفقير والغني في استحقاق الزكاة في مواقف محددة بعينها، بحيث تكون الحاجة مظنة الدفع في الفقر، وكذا احتياج من قُطعت به السبل أو خرج مجاهداً في سبيل الله تاركاً ماله وعياله ولو كان غنيّاً، فصار في حكم الفقير، ومن ثم استوجب دفع الزكاة له، بل وتقديمه على بعض المصارف الأخرى، ويشهد لذلك اختتام الآية بقوله " والله عليم حكيم " فهو تذييل " أفاده الحصر بإنّما في قوله إنما الصدقات للفقراء والمساكين إلخ أي والله عليم حكيم في قصر الصدقات على هؤلاء، أيْ أنّه صادر عن العليم الذي يعلم ما يناسب في الأحكام، والحكيمِ الذي أحكم الأشياء التي خلقها أو شرعها "[2](1)
وقد اختيرت هذه المصارف لتحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، فضلا عن استتباب الأمن وصرف أعين المحتاجين عما في أيدي ذوي الغنى واليسار.
ثم إن المصلحة في أداء الزكاة يجني ثمارها الأغنياء قبل الفقراء؛ لأنهم يسهمون بها في تنمية ودعم القوة الشرائية للفقراء، فتنمو بذلك أموال المزكين ويربح المجتمع كله بكثرة التعاملات النفعية والمبادلات المادية، لذا عقّب السياق القرآني بعد ذكر المصارف بقوله تعالى " فريضة من الله " وجاء لفظ فريضة منصوباً " لأنّه يفيد معنى فَرضَ اللَّهُ أو أوجبَ ، فأكّد بفريضة من لفظ المقدّر ومعناه، والمقصود من هذا تعظيم شأن هذا الحكم والأمر بالوقوف عنده" [3](2)
واتّباعاً لما هو وارد في محاور المؤتمر وإيماناً بأهدافه السامية التي منها " تحليل واقع الزكاة في المجتمع الليبي بهدف تحسينه، والارتقاء بتطبيقاتها العملية المعاصرة " فإن الباحث سيتناول مسألة " تحديد النصاب" التي هي من ضمن عناصر المحور الأول الشرعي (فقه الزكاة بين التزام التوقيف ومراعاة المقاصد ) مع الاقتصار على نصاب النقود والعملات الورقية المتعامل بها الآن.