ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
تخضع جرائم الفساد للأحكام العامة للمسؤولية الجنائية، والمتمثلة في تمتع مرتكب الفعل المجرم بالقدرة على فهم عواقب فعله، وعلى التميز بين الممنوع من الأفعال والمباح منها، فالشخص الطبيعي وفقًا للقانون يتمتع بها، هذا وافق ما نص عليه المشرع الليبي طبقًا لنص المادة 79/1 وكذلك نص المادة62/1، وما أكده ايضًا قضاء المحكمة العليا، إلاّ أن الإشكال القانوني يتمحور حول المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية فيما يتعلق بجرائم الفساد، فقد تضمنت المادة 26 من الاتفاقية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على قيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية عن جميع جرائم الفساد المنصوص عليها بالاتفاقية، كما نصت الاتفاقية على الزام الدول الاطراف بإصدار تشريعات جديدة أو تعديل تشريعاتها الداخلية بما يتناسب مع قيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية عن جميع جرائم الفساد؛ بينما نجد المشرع الليبي وفقًا لقانون العقوبات وقضاء المحكمة العليا لم يعترف بالمسؤولية الجنائية إلاّ للشخص الطبيعي، إلاّ أنه اعترف بقيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية استثناءً في بعض نصوصه القانونية المتعلقة بجرائم الفساد، كنص المادة الثالثة من القانون رقم 2 لسنة 2005م بشأن مكافحة غسل الأموال. تعتمد دراسة المسؤولية الجنائية عن جرائم الفساد معرفة مدى توافق التشريع الليبي مع اتفاقية الأمم المتحدة فيما يتعلق بالنظام القانوني للمسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعية والمعنوية عن جرائم الفساد؟
لم تعد الاتفاقيات الدولية محصورة في مجال التحالف أو إنهاء النزاعات فقط، وإنما توسعت موضوعاتها لتجد لها مساحة واسعة في مكافحة الجريمة عبر التجريم والعقاب والتعاون القضائي في ملاحقة المجرمين والكشف عن الجرائم، ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس من مبدأ الشرعية الجنائية والإجرائية، كان لهذه الخصوصية أثرها في القبول بهذا الدور المتعاظم للاتفاقيات الدولية في المجال الجنائي، وأضحت حجية الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الجنائي الوطني محلاً للجدل بين القبول والرفض، فلم تأت الحلول التشريعية واحدة في كل دول العالم، واتخذت كل دولة موقفها الذي ترى أنه يساير نظامها الوطني.
وكان توجه المشرع الليبي محموداً حيث اعترف للاتفاقيات الدولية بحجية أمام القضاء الوطني عموماً والجنائي خصوصاً، وعلى الرغم من إمكانية إدماج الاتفاقيات بشكل مباشر في القانون الليبي فإنه اتبع أسلوب الإحالة في إدماج اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لأسباب متعلقة بالاتفاقية، وأقر للقضاء الليبي سلطة كاملة في الرقابة على الاتفاقيات الدولية من الناحية الشكلية والموضوعية، كما يعترف التشريع الليبي للقضاء الجنائي بسلطة تفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية عند نظره دعاوى متعلقة بها.
أصدر المشرع الليبي القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي أعطى لها العديد من الاختصاصات في سبيل أداء مهمتها لمكافحة الفساد، ومن أهم اختصاصات الهيئة القيام بالبحث والتحري عن جرائم الفساد، واقتصرت الدراسة في هذا البحث على السياسة التي اتبعها المشرع في التجريم والعقاب في ظل هذا القانون حيث حدد المشرع في هذا القانون الجرائم التي تشكل جرائم فساد وتختص بها الهيئة وجاء بعقوبة موحدة لكل هذه الجرائم، فقد تم تحديد جرائم الفساد عن طريق الإحالة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، وقد توسع المشرع في تحديد الجرائم التي تشكل جرائم فساد متجاوزا في ذلك ما جاءت به اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث اعتبر من جرائم الفساد أفعالا لم تدع الاتفاقية لتجريمها كالجرائم الخطئية مثلا، كما جاء المشرع بعقوبة موحدة خصها لكل جرائم الفساد المحددة في هذا القانون مما أفقد فكرة التدرج بين الجرائم والعقوبات لتحقيق مبدأ التناسب التشريعي بين الجريمة والعقوبة المقررة لها، مع الإبقاء على أية عقوبة أشد نص عليها أي قانون آخر.
أوضحت الدراسات اتساع ظاهرة الفساد في ليبيا بالرغم من وجود التشريعات الجنائية النافذة والمعنية بمكافحتها ، حيث أظهر لنا التطبيق قصور هذه النصوص في إيجاد حلول عملية ناجعة لبعض الاشكاليات ، خاصة مع تطور أساليب ارتكابها ، وتنوع انماطها المستحدثة، فتعالت الاصوات المنادية بضرورة تطوير الأحكام الموضوعية ، ومراجعة عديد من المسائل في سياستي التجريم والعقاب التي أصبحت لا تتلاءم مع المعايير الدولية والوطنية للحد من مخاطر ظاهرة الفساد والتقليل من آثارها، وحتى تتحقق النجاعة وتكون أكثر جدوى في تحقيق الهدف المنشود لابد أن تأخذ بنظر الاعتبار الخصوصية التي تتسم بها هذه الجرائم ، وهذا يتطلب أن تكون هناك قواعد جنائية موضوعية خاصة بجرائم الفساد ، لان القواعد العامة لا يمكن أن تستغرق الكثير من صور الفساد ، ناهيك عن أن مبدأ الشرعية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ) يوجب تحديد أركان وشروط وعناصر تجريم كل صور الفساد وبيان الجزاء الجنائي المناسب لها حتى تنهض المسؤولية الجنائية ، وبخلاف ذلك يتعذر نهوض المسؤولية الجنائية تجاه الفاسدين .
تعتبر جريمة الرشوة من أخطر الجرائم التي تخل بسير الوظيفة العامة وتشكك في نزاهتها، حيث حاولنا من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على السياسة القانونية المقررة لمواجهة جريمة الرشوة، في كِلا البلدين – ليبيا والمغرب – ؛ فبالرغم من الجهود المبذولة في تجريم الرشوة ومكافحتها، ومصادقة كل منهما على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ ما يَربو عن خمسة عشر سنة خلت، إلا أنهما لا زالتا تتربعانِ على أدنى مستويات مُؤشر الشفافية الدولية.
وتأسيساً على ما سبق، يتضح لنا أن السياسة القانونية التي اتبعها كلا من التشريعين الليبي والمغربي في مكافحة جريمة الرشوة متشابهة نوعاً ما، سواء من حيث التجريم أو العقاب، حيث تم تجريم كل أنواع السلوك التي تؤدي إلى قيام جريمة الرشوة من حيث القبول أو العرض أو الأخذ وأخيراً الوعد, فضلاً على أن كِلاهما أخذ بفكرة ومذهب ثنائية الرشوة لا بوحدتها، بحيث تكون جريمة المرتشي منفصلة ومستقلة عن جريمة الراشي.
وعلى اعتبار أن جريمة الرشوة من الجرائم ذوي الصفة الوظيفية نستنتج أنه رغم تبني المشرع الجنائي الليبي والمغربي المفهوم الواسع للموظف العام (المرتشي)، إلا إنهما أغفله تجريم رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المؤسسات الدولية العمومية الواردة في المادة (16) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
يعتبر الفساد آفة من آفات العصر، خاصة بالنسبة للدول التي تمر بمراحل انتقالية، حيث تواجه هذه الدول العديد من التحديات لمكافحته، وباعتبار أن الفساد لا يقع إلا بفعل فاعل (الإنسان)، فإن التحدي الكبير الذي يوجه الدولة الليبية لمحاربة الفساد في ظل الظروف الراهنة هو تحقيق العدالة لأغلب شريحة في المجتمع الليبي، وهي شريحة العاملين بالجهات الممولة كليا أو جزئيا من الميزانية العامة للدولة، وهو بداية الطريق للقضاء على الفساد، وتحقيق التنمية والعدالة والسلم الاجتماعي.
موضوع البحث من الموضوعات الهامة التي تفرض نفسها على الساحة الدولية والوطنية فى الوقت الراهن باعتبارها تشكل عائق أساسي للتنمية في مختلف مجالاتها، ومما لاشك فيه أن ظاهرة الفساد قديمة قدم المجتمعات الإنسانية وارتبط وجودها بوجود الأنظمة السياسية والإدارية، سواء كانت أنظمة ديكتاتُورية أو ديمُقراطية، وتتفاوت تلك الظاهرة من مجتمع وآخر، ومن دولة إلى أخرى مع اختلاف ثقافة كل منهما .
ويهدف البحث إلي تسليط الضوء على السياسة الجنائيىة لكافحة جرائم الفساد والتي تتمثل في مجموعة الوسائل والتدابير التي تتخذها الدولة في فترة زمنية معينة للتصدي لهذه الظاهرة عن طريق التجريم والعقاب، والأساليب الوقائية لحصر تلك الجرائم خاصة منها جرائم غُسل الأموال التي تؤدى إلى انتشار الفساد والجرائم الإجتماعية، وذلك للوقاية والحد من ارتكابها .