ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
بعث الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليبين للناس ما نزّل إليهم , وليبين لهم ما يصلح به أمر معاشهم .
فجاء الإسلام ليقضي على كل مظاهر الفساد بشتى صوره , ويؤصل بدلا منها كل ما هو حسن , ويكافح الفساد والانحراف في المجتمع قبل وقوعه أخذا بمبدأ الاحتياط , ويكافحه بعد وقوعه لتتحقق المصلحة العامة والخاصة.
فالحديث عن الفساد المالي والمتمثل في المضاربات الفاسدة حديث قديم جديد تناولته الشريعة الإسلامية في مصادرها التشريعية المختلفة , وكثر الحديث عن الفساد المالي مؤخرا إلا أن الفشل في المعالجة كان واضحا لإغفال الجانب التأصيلي للموضوع .
لذا أخذت كلية الشريعة والقانون بالجامعة الأسمرية على عاتقها إقامة هذا المؤتمر للبحث عن وسائل تمكنها وتساهم من خلالها من حلحلة مثل هذه المشاكل, وجاءت مشاركتنا في هذا المؤتمر ببحث عنوانه : ( تحوط الشريعة الإسلامية من المضاربات المالية الفاسدة )، ليحقق مقصدا من مقاصد هذا المؤتمر
لم تعد الاتفاقيات الدولية محصورة في مجال التحالف أو إنهاء النزاعات فقط، وإنما توسعت موضوعاتها لتجد لها مساحة واسعة في مكافحة الجريمة عبر التجريم والعقاب والتعاون القضائي في ملاحقة المجرمين والكشف عن الجرائم، ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس من مبدأ الشرعية الجنائية والإجرائية، كان لهذه الخصوصية أثرها في القبول بهذا الدور المتعاظم للاتفاقيات الدولية في المجال الجنائي، وأضحت حجية الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الجنائي الوطني محلاً للجدل بين القبول والرفض، فلم تأت الحلول التشريعية واحدة في كل دول العالم، واتخذت كل دولة موقفها الذي ترى أنه يساير نظامها الوطني.
وكان توجه المشرع الليبي محموداً حيث اعترف للاتفاقيات الدولية بحجية أمام القضاء الوطني عموماً والجنائي خصوصاً، وعلى الرغم من إمكانية إدماج الاتفاقيات بشكل مباشر في القانون الليبي فإنه اتبع أسلوب الإحالة في إدماج اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لأسباب متعلقة بالاتفاقية، وأقر للقضاء الليبي سلطة كاملة في الرقابة على الاتفاقيات الدولية من الناحية الشكلية والموضوعية، كما يعترف التشريع الليبي للقضاء الجنائي بسلطة تفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية عند نظره دعاوى متعلقة بها.
تواجه اقتصاديات العديد من الدول وخاصة تلك التي تمر بمرحلة انتقالية سواء كانت سياسية مثل التحول من الأنظمة الشمولية إلى الانظمة الديموقراطية أو اقتصادية مثل التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق تحد كبير يتمثل : في نمو زيادة قرص ممارسة الفساد المالي والإداري , لذلك تعتبر الحوكمة هي الوسيلة الأكثر فاعلية في القضاء علي الفساد ولقد اقتضت طبيعة البحث الإجابة علي عدة تساؤلات أهمها: مفهوم الفساد ,وأهم مظاهره في القطاع الخاص, وكذلك مفهوم الحوكمة ,وآلياتها في مكافحة الفساد
أصدر المشرع الليبي القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي أعطى لها العديد من الاختصاصات في سبيل أداء مهمتها لمكافحة الفساد، ومن أهم اختصاصات الهيئة القيام بالبحث والتحري عن جرائم الفساد، واقتصرت الدراسة في هذا البحث على السياسة التي اتبعها المشرع في التجريم والعقاب في ظل هذا القانون حيث حدد المشرع في هذا القانون الجرائم التي تشكل جرائم فساد وتختص بها الهيئة وجاء بعقوبة موحدة لكل هذه الجرائم، فقد تم تحديد جرائم الفساد عن طريق الإحالة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، وقد توسع المشرع في تحديد الجرائم التي تشكل جرائم فساد متجاوزا في ذلك ما جاءت به اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث اعتبر من جرائم الفساد أفعالا لم تدع الاتفاقية لتجريمها كالجرائم الخطئية مثلا، كما جاء المشرع بعقوبة موحدة خصها لكل جرائم الفساد المحددة في هذا القانون مما أفقد فكرة التدرج بين الجرائم والعقوبات لتحقيق مبدأ التناسب التشريعي بين الجريمة والعقوبة المقررة لها، مع الإبقاء على أية عقوبة أشد نص عليها أي قانون آخر.
يعتبر الفساد آفة من آفات العصر، خاصة بالنسبة للدول التي تمر بمراحل انتقالية، حيث تواجه هذه الدول العديد من التحديات لمكافحته، وباعتبار أن الفساد لا يقع إلا بفعل فاعل (الإنسان)، فإن التحدي الكبير الذي يوجه الدولة الليبية لمحاربة الفساد في ظل الظروف الراهنة هو تحقيق العدالة لأغلب شريحة في المجتمع الليبي، وهي شريحة العاملين بالجهات الممولة كليا أو جزئيا من الميزانية العامة للدولة، وهو بداية الطريق للقضاء على الفساد، وتحقيق التنمية والعدالة والسلم الاجتماعي.
تخضع جرائم الفساد للأحكام العامة للمسؤولية الجنائية، والمتمثلة في تمتع مرتكب الفعل المجرم بالقدرة على فهم عواقب فعله، وعلى التميز بين الممنوع من الأفعال والمباح منها، فالشخص الطبيعي وفقًا للقانون يتمتع بها، هذا وافق ما نص عليه المشرع الليبي طبقًا لنص المادة 79/1 وكذلك نص المادة62/1، وما أكده ايضًا قضاء المحكمة العليا، إلاّ أن الإشكال القانوني يتمحور حول المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية فيما يتعلق بجرائم الفساد، فقد تضمنت المادة 26 من الاتفاقية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على قيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية عن جميع جرائم الفساد المنصوص عليها بالاتفاقية، كما نصت الاتفاقية على الزام الدول الاطراف بإصدار تشريعات جديدة أو تعديل تشريعاتها الداخلية بما يتناسب مع قيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية عن جميع جرائم الفساد؛ بينما نجد المشرع الليبي وفقًا لقانون العقوبات وقضاء المحكمة العليا لم يعترف بالمسؤولية الجنائية إلاّ للشخص الطبيعي، إلاّ أنه اعترف بقيام المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية استثناءً في بعض نصوصه القانونية المتعلقة بجرائم الفساد، كنص المادة الثالثة من القانون رقم 2 لسنة 2005م بشأن مكافحة غسل الأموال. تعتمد دراسة المسؤولية الجنائية عن جرائم الفساد معرفة مدى توافق التشريع الليبي مع اتفاقية الأمم المتحدة فيما يتعلق بالنظام القانوني للمسؤولية الجنائية للأشخاص الطبيعية والمعنوية عن جرائم الفساد؟