ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
أصدر المشرع الليبي القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتي أعطى لها العديد من الاختصاصات في سبيل أداء مهمتها لمكافحة الفساد، ومن أهم اختصاصات الهيئة القيام بالبحث والتحري عن جرائم الفساد، واقتصرت الدراسة في هذا البحث على السياسة التي اتبعها المشرع في التجريم والعقاب في ظل هذا القانون حيث حدد المشرع في هذا القانون الجرائم التي تشكل جرائم فساد وتختص بها الهيئة وجاء بعقوبة موحدة لكل هذه الجرائم، فقد تم تحديد جرائم الفساد عن طريق الإحالة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له، وقد توسع المشرع في تحديد الجرائم التي تشكل جرائم فساد متجاوزا في ذلك ما جاءت به اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيث اعتبر من جرائم الفساد أفعالا لم تدع الاتفاقية لتجريمها كالجرائم الخطئية مثلا، كما جاء المشرع بعقوبة موحدة خصها لكل جرائم الفساد المحددة في هذا القانون مما أفقد فكرة التدرج بين الجرائم والعقوبات لتحقيق مبدأ التناسب التشريعي بين الجريمة والعقوبة المقررة لها، مع الإبقاء على أية عقوبة أشد نص عليها أي قانون آخر.
موضوع البحث من الموضوعات الهامة التي تفرض نفسها على الساحة الدولية والوطنية فى الوقت الراهن باعتبارها تشكل عائق أساسي للتنمية في مختلف مجالاتها، ومما لاشك فيه أن ظاهرة الفساد قديمة قدم المجتمعات الإنسانية وارتبط وجودها بوجود الأنظمة السياسية والإدارية، سواء كانت أنظمة ديكتاتُورية أو ديمُقراطية، وتتفاوت تلك الظاهرة من مجتمع وآخر، ومن دولة إلى أخرى مع اختلاف ثقافة كل منهما .
ويهدف البحث إلي تسليط الضوء على السياسة الجنائيىة لكافحة جرائم الفساد والتي تتمثل في مجموعة الوسائل والتدابير التي تتخذها الدولة في فترة زمنية معينة للتصدي لهذه الظاهرة عن طريق التجريم والعقاب، والأساليب الوقائية لحصر تلك الجرائم خاصة منها جرائم غُسل الأموال التي تؤدى إلى انتشار الفساد والجرائم الإجتماعية، وذلك للوقاية والحد من ارتكابها .
يتم ارتكاب الكثير من جرائم الفساد الإداري والمالي، ويتمكن مرتكبيها من الإفلات من المساءلة والعقاب، ويستمر نهب المال العام، إلى جانب إثراء الكثير من الأشخاص، دون أن يكون لديهم مصدر دخل مشروع يتناسب مع إثرائهم؛ ولكي لا يستمر نهب المال العام، والحيلولة دون الاستفادة من العوائد المتأتية من جرائم الفساد الإداري والمالي، ولتحقيق أهداف سياسة المنع وسياسة التجريم والعقاب في مجال الوقاية من هذه الجرائم ومواجهتها، فقد قامت في السابق العديد من القوانين الوطنية، ثم الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد بتجريم الكسب أو الإثراء غير المشروع، وهذه الجريمة قديمة وليس جديدة، وتتحقق عندما يعجز الشخص عن الإجابـة عن السؤال: من أين لك هذا؟ .
وفي إطار تفعيل تطبيق هذه الجريمة على الوقائع ألزمت الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد الدول الأطراف فيها بإنشاء نظم فعالة خاصة بإقرارات الذمة المالية، وأصدرت الكثير من الدول قوانين بذلك، وألزمت المخاطبين بها بتقديم إقرارات عن ذممهم المالية، وعن أزواجهم وأبنائهم القصر بحسب الأحوال، وجرمت الإخلال بها، وقررت لذلك عقوبات، وأيضاً وجوب التبليغ عن ارتكاب هذه الجريمة، إلا إنه للأسف لم يتم تحقيق الأهداف التي سُعي إليها من وراء تجريم الكسب غير المشروع، وذلك لعدة أسباب، ومن ذلك: عدم تطبيق القانون الخاص بهذه الجريمة على الوقائع، مما أدى إلى انتشار الثراء غير المشروع لدى العديد من يحمل صفة الموظف العام ومن لا يحملها، وعدم وجود إرادة سياسية لمكافحة جرائم الفساد الإداري والمالي، وقد وصل الأمر إلى الطعن أمام المحاكم بعدم دستورية هذه الجريمة، بسبب أخطاء وقعت فيها السلطة التشريعية في العديد من الدول.
أوضحت الدراسات اتساع ظاهرة الفساد في ليبيا بالرغم من وجود التشريعات الجنائية النافذة والمعنية بمكافحتها ، حيث أظهر لنا التطبيق قصور هذه النصوص في إيجاد حلول عملية ناجعة لبعض الاشكاليات ، خاصة مع تطور أساليب ارتكابها ، وتنوع انماطها المستحدثة، فتعالت الاصوات المنادية بضرورة تطوير الأحكام الموضوعية ، ومراجعة عديد من المسائل في سياستي التجريم والعقاب التي أصبحت لا تتلاءم مع المعايير الدولية والوطنية للحد من مخاطر ظاهرة الفساد والتقليل من آثارها، وحتى تتحقق النجاعة وتكون أكثر جدوى في تحقيق الهدف المنشود لابد أن تأخذ بنظر الاعتبار الخصوصية التي تتسم بها هذه الجرائم ، وهذا يتطلب أن تكون هناك قواعد جنائية موضوعية خاصة بجرائم الفساد ، لان القواعد العامة لا يمكن أن تستغرق الكثير من صور الفساد ، ناهيك عن أن مبدأ الشرعية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ) يوجب تحديد أركان وشروط وعناصر تجريم كل صور الفساد وبيان الجزاء الجنائي المناسب لها حتى تنهض المسؤولية الجنائية ، وبخلاف ذلك يتعذر نهوض المسؤولية الجنائية تجاه الفاسدين .
لم تعد الاتفاقيات الدولية محصورة في مجال التحالف أو إنهاء النزاعات فقط، وإنما توسعت موضوعاتها لتجد لها مساحة واسعة في مكافحة الجريمة عبر التجريم والعقاب والتعاون القضائي في ملاحقة المجرمين والكشف عن الجرائم، ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس من مبدأ الشرعية الجنائية والإجرائية، كان لهذه الخصوصية أثرها في القبول بهذا الدور المتعاظم للاتفاقيات الدولية في المجال الجنائي، وأضحت حجية الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الجنائي الوطني محلاً للجدل بين القبول والرفض، فلم تأت الحلول التشريعية واحدة في كل دول العالم، واتخذت كل دولة موقفها الذي ترى أنه يساير نظامها الوطني.
وكان توجه المشرع الليبي محموداً حيث اعترف للاتفاقيات الدولية بحجية أمام القضاء الوطني عموماً والجنائي خصوصاً، وعلى الرغم من إمكانية إدماج الاتفاقيات بشكل مباشر في القانون الليبي فإنه اتبع أسلوب الإحالة في إدماج اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لأسباب متعلقة بالاتفاقية، وأقر للقضاء الليبي سلطة كاملة في الرقابة على الاتفاقيات الدولية من الناحية الشكلية والموضوعية، كما يعترف التشريع الليبي للقضاء الجنائي بسلطة تفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية عند نظره دعاوى متعلقة بها.