ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
لم تعد الاتفاقيات الدولية محصورة في مجال التحالف أو إنهاء النزاعات فقط، وإنما توسعت موضوعاتها لتجد لها مساحة واسعة في مكافحة الجريمة عبر التجريم والعقاب والتعاون القضائي في ملاحقة المجرمين والكشف عن الجرائم، ولما يتمتع به القانون الجنائي من خصوصية، تتمثل في بناء القواعد الجنائية على أساس من مبدأ الشرعية الجنائية والإجرائية، كان لهذه الخصوصية أثرها في القبول بهذا الدور المتعاظم للاتفاقيات الدولية في المجال الجنائي، وأضحت حجية الاتفاقيات الدولية أمام القضاء الجنائي الوطني محلاً للجدل بين القبول والرفض، فلم تأت الحلول التشريعية واحدة في كل دول العالم، واتخذت كل دولة موقفها الذي ترى أنه يساير نظامها الوطني.
وكان توجه المشرع الليبي محموداً حيث اعترف للاتفاقيات الدولية بحجية أمام القضاء الوطني عموماً والجنائي خصوصاً، وعلى الرغم من إمكانية إدماج الاتفاقيات بشكل مباشر في القانون الليبي فإنه اتبع أسلوب الإحالة في إدماج اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لأسباب متعلقة بالاتفاقية، وأقر للقضاء الليبي سلطة كاملة في الرقابة على الاتفاقيات الدولية من الناحية الشكلية والموضوعية، كما يعترف التشريع الليبي للقضاء الجنائي بسلطة تفسير المعاهدات والاتفاقيات الدولية عند نظره دعاوى متعلقة بها.
يشكل الفساد خطرا يتهدد الدول جميعا مما توجب معه إبرام الاتفاقيات الدولية الثنائية ومتعددة الاطراف الاقليمية والدولية لمكافحته، وبالرغم من كثرة النصوص القانونية المجرمة للفساد تعتبر ليبيا من أكثر الدول عرضة لخطره، بسبب ما تمر به من ظروف استثنائية، يجعلها بحاجة الى تفعيل اليات التعاون الدولي لملاحقة مرتكبي جرائم الفساد ولاسترداد عائداته المهربة خارجها، كما أنها بحاجة الى تفعيل الاليات الوقائية للوقاية من جرائم الفساد داخل المجتمع قدر الامكان، وأخيرا هي بحاجة الى وضع استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد بكل صوره.
إن الدولة من خلال مؤسساتها تقدم خدمات واحتياجات أساسية للأفراد (وطني أو أجنبي) المقيمين على إقليمها، هي في حقيقة الأمر حقوق للأفراد اتجاه الدولة، فمؤسسة التعليم تضمن للأفراد حق التعليم ومؤسسة الصحة تقدم للأفراد الخدمات الصحية، فإذا فسدت مؤسسة من هذه المؤسسات، فإنه بطبيعة الحال سينتهك حق من حقوق الإنسان، ولهذا فإن التزام الدولة باحترام وتعزيز حقوق الإنسان من خلال التدابير التشريعية والإدارية وغيرها من التدابير فهي في حقيقة الأمر تمنع وتكافح الفساد، والالتزام بتنفيذ الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان أفضل الطرق لمكافحة الفساد، فاللجان الدولية لحقوق الإنسان مثل ما تراقب مدى التزام الدول بإعمال الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية، فإنها تراقبها في مدى جدية التدابير المتخذة لمكافحة الفساد وفقا لمنظومة حقوق الإنسان.