ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
هذه الورقة تتحدث عن علماء الأسرة الحطّابية المنتسبين إلى المذهب المالكي، وتذكر جهودهم، ومؤلفاتهم، ورحلاتهم العلمية، ومشايخهم، وتلامذتهم، وذلك ضمن المدة الزمنية الممتدة خلال القرن العاشر الهجري. ويأتي اختيار هذه الأسرة من أجل إبراز جهود العلماء الليبيين في خدمة المذهب المالكي، الّذي كان لبعضهم سبق الفضل في إدخال الموطأ، بل المذهب المالكي إلى المغرب الإسلامي، فقد كان لأبي الحسن علي بن زياد الأطرابلسي: (ت: 183هـ) دور ريادي ومحوري، وأثر مخلّد، وتاريخي في ذلك.
انتشر المذهب المالكي في غالبية البلاد، وأصبح هذا المذهب جزءًا من هويته، ومن ثم فالمساس به مساس بهوية البلاد، ولا يخفى الأثر السيء لذلك، فقد تسببت التيارات الفقهية الدخيلة في التشويش على العامة أحكام دينها، وعملت على تشويه رموزها الدينية، ونزع ثقة الناس بهم، وإحداث فوضى فقهية، وزعم أن الهوية الليبية بها الكثير من المخالفات الشرعية، وألا علاقة بين الفقه وهوية الشعوب؛ بل الفقه كتاب وسنة فقط. وحسب اطلاعي المتواضع على المؤلفات الحديثة لم أجد من يدرس الأصل المالكي " عمل أهل المدينة " من زاوية أثره وتأثّره بالهوية، بما تتضمنه من أعراف وعادات وتقاليد، إلا مرجعًا واحدًا، سأذكره – بعون الله – في ثنايا البحث، واقتصرت بقية المصادر على دراسته دراسة أصولية محضة، وهذا في حد ذاته شكّل صعوبة في دراسة هذا الموضوع من هذه الزاوية.
هدف هذا البحث إلى تناول الجهود القديمة والحديثة لبعض العلماء من منطقة زليتن خلال المائتي سنة، والتي تكاد تكون خافية عن الكثير من الناس، حيث تشتهر منطقة زليتن بكثرة العلماء والمفتين وحفظة القرآن الكريم، والقضاة، قديما وحديثا، وذلك لعدة أسباب منها وجود عدد من زوايا ومنارات العلم والقرآن، مثل منارة الشيخ عبد السلام الأسمر، ومنارة المشايخ الستة، ومنارة الشيخ أحمد الباز، ومنارة المشايخ أولاد سليمان السبعة الفواتير. ومنارة الشيخ محمد الفطيسي، ومنارة الشيخ مفتاح الصفراني، وغيرها من المنارات القديمة والحديثة. وقد اشتهر جماعة من علمائها في الفقه وأصوله والفرائض، والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك من العلوم، وقد كان لبعضهم جهود في تدريس الفقه المالكي، ولبعضهم مؤلفات ومختصرات وفتاوى وبحوث، ونقل عن بعضهم فتاوى مدونة، كلها خدمت الفقه المالكي خدمة عظيمة، وحافظت على هوية هذه البلاد عبر قرون كانت مليئة بأحداث غير مستقرة. وقد قدمت نماذج لجهودهم من بعض مؤلفاتهم وفتاواهم وجهودهم في التدريس، أو ما دوّن عنهم في الفقه والفتاوى، وسيرتهم العلمية والتعليمية والدعوية الحافلة بجهود كبيرة في خدمة ديننا الحنيف: تدريسا وإفتاء وقضاء وتأليفا، وبخاصة بعد إنشاء وبناء الزوايا والروابط والمنارات العلمية في مدن وقرى بلادنا الليبية من صدر الإسلام في القرون الأولى وإلى الآن.
يهدف البحث إلى إبراز جهود علماء بلادنا ومواقفهم في الحفاظ على الهُويّة الدينيّة الليبيّة، وأيضا التعرّف على إسهامات علماء بلادنا في تأليف الكتب فيما يتعلق بالمذهب المالكي بالإضافة إلى الإجابة عن التساؤلات السابقة؛ التي سنقف على إجابة لها ضمن النتائج التي حقّقتها من هذه الدراسة. هذه الدراسة التي هي جزء من كتاب الشّذرات الشذيّة للشيخ الطيب المصراتي، الذي تناول فيه عديد من الجوانب الفقهية والسلوكيّة والأخلاقيّة وفق المذهب المالكي، وسيكون الحديث عن الآداب والأخلاق والسلوك المهم في حياتنا الاجتماعية من أجل الحفاظ على الهُويّة في مجتمعنا، وهي تعد ركيزة مهمّة لسالك المذهب المالكيّ سواء من جانبه الفقهي أو العقدي أو جانب الإحسان (التصوّف)، فهذه الأمور الثلاث (الآداب والأخلاق والسلوك) لها أثر كبير في تغيير حياة المجتمع إذا ما أخذت بعين الاعتبار من قبل المربّين وغرسها في أذهان النشء.
يتناول البحث مخطوطة يجب تحقيقها وإخراجها للقراء، والجواب لعدة أسئلة منها: هل أجاد الشيخ شرح المنظومة؟ وعلى من اعتمد الشيخ في بيانها؟ وما هو أسلوبه في الشرح، وكيف أسهم في إثراء المذهب من خلال شرحه هذا؟. وذلك بهدف بيان منهج شارح المنظومة، والتعريف به.
استطاع المذهب المالكي أن يُشكِّل الهوية الدينية للمغرب العربي، مما جعله أحد أبرز وأهم ممثلي التوجه الديني السني في هذه البلاد، والمسهم الأكبر في رسم هويتها الدينية، الأمر الذي جعله خط الدفاع الأول في وجه الحركات الساعية لطمس الهوية الدينية وتغييرها لهذه المنطقة، ولعل من أبرز الحركات التي سعت لهذا الأمر عبر التاريخ المغربي هي الدولة الفاطمية الشيعية، التي انتهجت سياسيةً تقوم على مواجهة المذهب المالكي المتجذِّر في البلاد المغربية عامة والليبية خاصة، في محاولةٍ منها لاجتثاث هذا المذهب، لعلها تتمكن من فرض فكرها ومذهبها، مما أدخلها في صراع مع علماء المالكية، الذين عملوا على مواجهة هذا المشروع والعمل على إسقاطه، فاستخدموا كل ما يملكونه من قدرات وإمكانات حتى استطاعوا أن ينجحوا في إسقاط هذا المشروع مع المعز بن باديس في سنة 435هـ، الأمر الذي دفعني لدراسة هذا الصراع وآثاره، مبيناً دور العلماء وجهودهم في الحفاظ على الهوية الدينية للبلاد الليبية.
لما كانت معرفة الأحكام من أدلّتها التفصيلية من اختصاصات علم الفقه، ولا يمكن الوصول إليها إلاَّ عن طريقه، فكان للفقه من الأهميّة بمكان، وقد حثَّ الله ـ سبحانه- وتعالى ـ على التفقُّه في الدِّين فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، وقال -صلّى الله عليه وسلّم-: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين"، فالفقه خير كلّه، حيث إنّه الطريق لمعرفة الدين الذي نتعبّد الله تعالى به، وقد أنعم الله تعالى على هذه الأمّة الكريمة؛ بأن قيّض لها نخبة ممتازة وصفوة مختارة، نذرت أعمارها لخدمة هذا الدين الحنيف، وشمّرت عن ساعد الجد، فخلّفت لهذه الأمّة كمًّا هائلاً من المؤلّفات الفقهيّة على مرّ السنين، وتنوّعت أساليبهم في هذه المصنّفات. ومن هؤلاء الصفوة الشيخ أحمد زرّوق -رحمه الله- أحد المحققين الجامعين للحقيقة والشرع، خلّف ميراثًا كبيرًا من المؤلفات والرسائل في مختلف فنون الفقه والحديث والتصوف، ومن هذه المؤلفات: مفتاح السداد الفهمي شرح كتاب الإرشاد الفقهي. الذي هو دراسة موضوع هذا البحث. وكان اختياري له لقيمته العلميّة الجليلة المتمثلة في سوق الأدلّة الشرعية على المسائل الفقهيّة، مع سهولة في العبارة، ودقّة في التوضيح، والمكانة المرموقة التي يتحلّى بها الشيخ زرّوق. وإبراز هذا الكتاب -المختصر مع الشرح- وإظهاره؛ لأنّه لم يحظ باهتمام الدارسين والبحّاث. - كتاب الإرشاد لابن عسكر حوى كلّ أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والجنايات. ممّا جعل شرح الشيخ زرّوق عليه موسوعة علميّة، ومرجعًا للفقهاء يستقون منه وينقلون عنه كالحطّاب والسنهوري والحضيري في شروحهم لمختصر خليل. تسليط الضوء على كتابين من أهمّ كتب المالكيّة هما: الإرشاد لابن عسكر، وشرحه مفتاح السداد الفهمي للشيخ زرّوق. إبراز قيمة المختصرات العلميّة وجودة إقبال الشروح عليها.
فهوية علمائنا بتنوع تخصصاتهم وميلوهم ليست وليدة لحظة أو عقد من الزمان أو قرن، بل هي صبغة مورّثة من أسلفاهم بأسانيدهم كابراً عن كابرٍ، فلا يخفى على أحد من الدارسين لتاريخ الفقه وتاريخ العقيدة أو الدارسين لكتب التراجم والموسوعات بأنّ علماءنا كانوا في السائد هم على مذاهب أهل السنة التي انتشرت غربا وشرقاً، المجمع على صحتها وقوتها وأصولها وفرعها، فهم في العقيدة على مذهب الإمام الأشعري، وفي الفقه فهم على مذهب عالم أهل المدينة الإمام مالك بن أنس، وفي التصوف فهم على مشرب الإمام الجنيد، رضي الله عنهم جميعاً، وأجمل ما قيل في هذا المعنى ما قاله العلامة ابن عاشر في المرشد المعين:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وانطلاقاً من هذه القاعدة الجليلة، سأتكلم عن رجال الإفتاء في بلادنا، مع نقل لبعض رجال الإفتاء من المذهب الحنفي؛ وذلك لأنهم كانوا على رأس الإفتاء لقرون، وبما أن الإفتاء الرسمي في بلادنا انحصر فيما وقفت عليه -مع ندرة المراجع وتبعثرها في الخزائن الخاصة وكثير منها مازال حبيسها-، في الفقه الحنفي والفقه المالكي، فسأتكلم على رجال الفتوى من الفقه المالكي لسواده في بلادنا، وعن رجال الفتوى من الفقه الحنفي لأنهم مارسوه في بلادنا، وأعتذر عن رجال الفقه الإباضي لعدم وقوفي على رجاله المفتين رسمياً فيما اطلعت عليه من المراجع والمصادر.
سبب اختياري لهذا الموضوع هو إبراز جانب من جوانب جهود الليبيين في خدمة المذهب المالكي، وبيان بصمتهم في المذهب، من خلال رصد منهجية أحد المؤلفين الليبيين المتقدمين الذين حازوا سبق التأليف في باب من أبواب الفقه المال كي، وهو علم الميراث، وهو الشيخ الجليل الأستاذ أبو الحسن علي بن المنمر الطرابلسي، من خلال كتابه الكافي في الفرائض.
تعد الزاوية الأسمرية من أكبر الصروح العلمية داخل القطر الليبي، وذلك لمسيرتها العلمية المتصاعدة، والتي لم يتخللها أي انقطاع، من يوم تأسيسها على يد الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري ، فكانت مصبا لجميع طلاب العلوم الشرعية من داخل القطر، كما كانت قلعة من قلاع الهوية الليبية كيف لا وهي جزء من ثقافتها العريقة، وما يهم هذا البحث هو الهوية الفقهية المالكية، والتي رسختها هذه الزاوية، وذلك باستقطاب كبار علماء البلد المتخصصين في هذا المذهب، والذين بدورهم درّسوا كتبه المتنوعة، ليتخرج من بين عرصات هذه الزاوية كوكبة من التلاميذ النجباء، ليصبحوا نجوما في سماء هذه البلد، مرسخين لهويتها الدينية في قلوب الأجيال من بعدهم، لهذا جاءت فكرة هذا البحث.
يتناول هذا البحث امتداد العقيدة الأشعرية على مستوى المذاهب الفقهية الأربعة، رحم الله أئمتها وعلماءها ومقلديها، وخصوصا المذهب المالكي والمذهب الشافعي، ويستعرض بعض نصوصهم في تقرير العقيدة الأشعرية، وينفي عنهم تهمة مخالفة أئمة مذاهبهم في العقيدة.