ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
بادئ ذي بدء أحمد الله تعالى وأشكره على ما من به علينا من حب العلم والعلماء وسلوك طر يقهم القو يم، وإن المرء ليشرف بهذا المسلك بشرف أهله وذو يه، وإن من بين علماء الأمة وأعلامها علامة ليبيا فضيلة الشيخ عبد السلام الأسمر العالم الرباني المصلح الاجتماعي والمعلم النوراني الذي ذاع صيته واشتهر اسمه، وها نحن اليوم نكتب عنه وكأنه بيننا، ولا شك أنه بيننا بعلومه النافعة وآثاره الطيبة المباركة، وإن الذكر الحسن للإنسان عمر ثان له، وهذا من كرم الله لعباده المؤمنين ولورثة الأنبياء من العلماء العاملين حيث إن الله تبارك وتعالي قال وقوله الحق (إنا َنحن ُنحى ٱلموتى ونكتب ما قدموا وأثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).
هدف هذا البحث إلى تناول الجهود القديمة والحديثة لبعض العلماء من منطقة زليتن خلال المائتي سنة، والتي تكاد تكون خافية عن الكثير من الناس، حيث تشتهر منطقة زليتن بكثرة العلماء والمفتين وحفظة القرآن الكريم، والقضاة، قديما وحديثا، وذلك لعدة أسباب منها وجود عدد من زوايا ومنارات العلم والقرآن، مثل منارة الشيخ عبد السلام الأسمر، ومنارة المشايخ الستة، ومنارة الشيخ أحمد الباز، ومنارة المشايخ أولاد سليمان السبعة الفواتير. ومنارة الشيخ محمد الفطيسي، ومنارة الشيخ مفتاح الصفراني، وغيرها من المنارات القديمة والحديثة. وقد اشتهر جماعة من علمائها في الفقه وأصوله والفرائض، والحديث والتفسير واللغة وغير ذلك من العلوم، وقد كان لبعضهم جهود في تدريس الفقه المالكي، ولبعضهم مؤلفات ومختصرات وفتاوى وبحوث، ونقل عن بعضهم فتاوى مدونة، كلها خدمت الفقه المالكي خدمة عظيمة، وحافظت على هوية هذه البلاد عبر قرون كانت مليئة بأحداث غير مستقرة. وقد قدمت نماذج لجهودهم من بعض مؤلفاتهم وفتاواهم وجهودهم في التدريس، أو ما دوّن عنهم في الفقه والفتاوى، وسيرتهم العلمية والتعليمية والدعوية الحافلة بجهود كبيرة في خدمة ديننا الحنيف: تدريسا وإفتاء وقضاء وتأليفا، وبخاصة بعد إنشاء وبناء الزوايا والروابط والمنارات العلمية في مدن وقرى بلادنا الليبية من صدر الإسلام في القرون الأولى وإلى الآن.
تعد الزاوية الأسمرية من أكبر الصروح العلمية داخل القطر الليبي، وذلك لمسيرتها العلمية المتصاعدة، والتي لم يتخللها أي انقطاع، من يوم تأسيسها على يد الشيخ سيدي عبد السلام الأسمر الفيتوري ، فكانت مصبا لجميع طلاب العلوم الشرعية من داخل القطر، كما كانت قلعة من قلاع الهوية الليبية كيف لا وهي جزء من ثقافتها العريقة، وما يهم هذا البحث هو الهوية الفقهية المالكية، والتي رسختها هذه الزاوية، وذلك باستقطاب كبار علماء البلد المتخصصين في هذا المذهب، والذين بدورهم درّسوا كتبه المتنوعة، ليتخرج من بين عرصات هذه الزاوية كوكبة من التلاميذ النجباء، ليصبحوا نجوما في سماء هذه البلد، مرسخين لهويتها الدينية في قلوب الأجيال من بعدهم، لهذا جاءت فكرة هذا البحث.