ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
يتناول هذا البحث امتداد العقيدة الأشعرية على مستوى المذاهب الفقهية الأربعة، رحم الله أئمتها وعلماءها ومقلديها، وخصوصا المذهب المالكي والمذهب الشافعي، ويستعرض بعض نصوصهم في تقرير العقيدة الأشعرية، وينفي عنهم تهمة مخالفة أئمة مذاهبهم في العقيدة.
إن الخارجية لطخة سوداء في تاريخ الأمة الإسلامية وجبينها الوضاء، بحيث حذر منهم رسول الله ﷺ، وقد عمَّ خطرهم حياة المسلمين في جميع نواحي الحياة عقديا وفقهيا وسلوكيا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا وأمنيا، واليوم وقد برزوا في ثوب جديد بشعارات براقة خداعة ظاهرها الرحمة بخلاف باطنها، يغتر بها وبهم السذج من المغرر بهم، فاستلزم ذلك أن يتصدى لهم علماء الأمة الإسلامية المخلصون لبيان الحق وكشف الحقيقة، فكان هذا باعثا للباحث ليكتب هذه الوريقات، وهو سبب وجيه وجدير بالقبول، كيف لا والموضوع من الأهمية بمكان؟! فخطره لم يغب عن ساحة المسلمين اليوم في العديد من البلدان العربية؛ التي منها بلدنا الجريح العراق، وكذلك بلدنا الثاني ليبيا الأبية العزيزة.
على هذا الأساس بنيت فكرة البحث، باستعراض تأريخ التشريع الإسلامي السمح البعيد عن التطرف والغلو والجمود، الذي ازدان بشعار الأئمة الكرام: (رأيي هذا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب). وهو كنز من كنوز الحكمة:﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ سورة البقرة، الآية:269. تدعو بصراحة إلى فسح المجال للغير حتى يقبل على الحوار الهادف البناء بغية الوصول إلى الحقيقة، وهي بشكل آو آخر قريب من تفسير لقوله تعالى:﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، سورة سبأ، الآية: 24، بمعنى اتصاف أحد الفريقين من الموحدين والمشركين بأحد الأمرين: الثبات على الهدى كالجبال، أو الانغماس في دياجير الضلال، وهو عين الإنصاف، فكل من سمعه من موافق أو مخالف يلزمه القول للمخاطب به: إن صاحبك أنصفك حقا.
إن من فطرة الله – تعالى- أنه يبعث للأمة مِن مدة لأخرى مَن يجدد لها دينها؛ وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، فكان من هؤلاء الدعاة المجددين الإمام الداعية: محمد بن علي السنوسي، الذي درس واقع الأمة، وأعد العدة، فتبحر في علوم عِدة، وانطلق لنشر الدعوة، فكان عالي الهمة، مخلص النية في نشر الدعوة الإسلامية، فأحبه الخواص والعوام، بحيث انتشرت دعوته بين المشرق والمغرب، وقد وجدت حضنها الدافئ في ليبيا الحبيبة، فتغلغلت في المجتمع الليبي، وجمعته على العقيدة السليمة، وسارت به على طريق الإحسان، فحافظت على الهوية الدينية في ليبيا، المتمثلة في الأشعرية عقيدة، والمالكية فقها، والتصوف منهاجا وسلوكا؛ فكانت خير مثال للحركات التجديدية التي غيرت واقع المسلمين بفضل مؤسسها؛ لذا سنكشف اللثام عنها؛ للإفادة منها، وسنبين دور التصوف في نجاحها.
يقوم هذا البحث على تناول الثنائية التي تنتاب الهوية الدينية الليبية، حيث ينطلق من فرضية أن الهوية الدينية لليبيين قد مرت بمرحلة استتباب وثبات استمرت لقرون طويلة، حتى شهدت مؤخراً قدراً من التأثر والتضعضع المفضي إلى بوادر حالة استلاب، صرنا نراها تبدرُ في خطواتها الأولى وسط بلدنا العزيز.
وقد اصطنعتُ هذا المسطور الذي بين يديك، لأجل دراسة تينكَ الحالتين للهوية الدينية الليبية، واهتممتُ بوضع تمهيد لأجل تشخيص للحالة الدينية بشكل عام في ليبيا. ثم رأيت من المهم والنافع تناول الركائز والعناصر الرئيسة التي قامت عليها الهوية الدينية في ليبيا، أعني الثلاثي العتيق الماكث والمتجذر في ليبيا على كل المستويات: تراثياً، وثقافياً، وتاريخياً، وعلمياً. ذاك الثلاثي هو: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف المعتدل.
لأجل ذلك تناولت الوجود التاريخي، لكل عنصر من تلكم الثلاثة العتيقة العريقة. بمنهجية مزجت فيها كلاً من المنهج الاستردادي، والتحليلي. على نحو مكثّف غير منبسط، بحكم ضيق البراح الزمني المتاح لدي في تناول هذا الموضوع.
كما أني اهتممت -عقب ذلك- بالكلام عن الهوية الدينية الليبية من جهة كونها عاشت حالة استتباب، ومن جهة كونها مهددة بسُنوح بوادر الاستلاب، حيث ركّزت على تبيان ما أراه من مظاهر، وبواعث، ومترتبات كلٍ من الحالتين.