ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
تعد منطقة لاكينبس "Κίνυψ" أو Cinyps (وادي كعام حَالِيًّا) واحدة من أهم المواقع التاريخية الواقعة للشرق من مدينة لبدة الكبرى Lepcis Magna، وقد حظيت باهتمام من قِبَل الكتّاب الكلاسيكيين، من مؤرخين وشعراء وجغرافيين إغريق ورومان، مثل: هيرودوتس Herodotus، وسكلاكس Scylax، وإسترابو Strabo، وبومبونيوس ميلا Pomponius Mela ، وبليني Pliny، وسيليوس آيتاليكوس Silius Italicus، وقد تطرق هؤلاء الكتّاب في كتاباتهم لموقع نهر ومنطقة كينبس، وإلى خصوبة أراضي هذه الأنحاء، حتى أن هيرودوتس شبهها بأراضي بابل من حيث إنتاجيتها الوفيرة من الحبوب، وأنه لا يوجد مكان آخر في ليبيا يشبهها، كما تناولت هذه الكتابات أيضًا عناصر السكان، والذين أكدوا على أنهم من المكاي، وأن كان سيليوس آيتاليكوس سماهم بالكنفيين "cinyphii"، ولكنه في ذات الوقت اعتبرهم فرعًا من المكاي، وأنهم كانوا ضمن مقاتلي حنبعل في حروبه ضد روما. ربما أهمية منطقة كينبس التي أشار إليها بعض هؤلاء الكتّاب كان لها الصدى الكبير في بلاد الإغريق حتى دفعت المغامر الإغريقي دوريوس Δωριεὺςبن اناكساندريدس Ἀναξανδρίδης، لمحاولة تأسيس مستعمرة إغريقية على ضفاف نهر كينبس، غير أن حلفًا جمع المكاي بالقرطاجيين تمكن من النصر عليهم، وطردهم بعد ثلاث سنوات، وذلك في حوالي سنة 517ق.م. هذا ومن القضايا الأخرى المهمة مشاركة أبرشية منطقة كينبس في مؤتمر قرطاج سنة 411م، والتي مثلها فيه أساقفة كاثوليك، والذي دُعي لحضوره جميع الأساقفة الكاثوليك والدوناتيين بشمال أفريقيا، يبدو من أن أبريشية كينبس كانت منفصلة ومستقلة إداريًّا وَعَقَائِدِيًّا عن لبدة الكبرى المدينة الأكثر أهمية المجاورة لها، والتي مثلها في المؤتمر أساقفة دوناتيين. أن الأهمية التي تمتعت بها المنطقة، تؤكدها العديد من الشواهد الأثرية المكتشفة بها، مثل: خزانات للمياه، وسد لحجز المياه، ودارة "فيلا"، إضافة لبعض المقابر السردابية التي احتوت الكثير من اللقى المختلفة، غير أن الأثر الأكثر أهمية كان عبارة عن قناة للمياه تمتد من كينبس حتى مدينة لبدة الكبرى؛ لمدها بالمياه.
يعتبر الماء قديماً وحديثاً من أهم مصادر الحياة النباتية والحيوانية، والعنصر الأساسي لاستقرار الإنسان بالقرب منه، ولهذا السبب وقع اختيارنا على عنوان هذا البحث، الذي يتناول دراسة واديا كينيبس وماجر، حيث كان وادي كينيبس الذي يقع غرب سوجولين (sugolin ـ زليتن) من أشهر الوديان في تاريخ ليبيا القديم، نظراً لوفرة مياهه وخصوبة تربته، فنال إعجاب معظم المؤرخين وفي مقدمتهم هيرودوت، وقد استقرت على سهوله قبيلة المكاي منذ أقدم العصور، كما كانت أهميته الاقتصادية، محل طمع القوى الخارجية في السيطرة عليه ابتداءً من السيطرة القرطاجية إلى المحاولة الإغريقية والسيطرة الرومانية، موضوع الدراسة، وكذلك وادي ماجر الذي يقع إلى جنوب مدينة سوجولين الذي تتجمع فيه مياه الأمطار بكميات كبيرة، حيث يقال أن أصل التسمية كانت من جريان مياهه، ثم حورت حتى أصبحت تطلق على المنطقة اسم ماجر، وسوف ترتكز الدراسة على الفترة الزمنية منذ السيطرة الرومانية على المنطقة الغربية من ليبيا في سنة 47 ق.م حتى نهاية حكم الأسرة السيفيرية 235م.
وتهدف هذه الدراسة إلى التعرف عن:
وسوف تعتمد الدراسة على المنهج السردي التحليلي للمعلومات التاريخية مع تعزيزها بالمصادر التاريخية والأدلة الأثرية كلما أمكن ذلك.
تناولت هذه الورقة البحثية الحياة الاقتصادية من جميع جوانبها في سوجولين (Sugolin – زليتن) خلال العصر الروماني من بداية احتلال إقليم تيربوليثانيا من قبل الرومان سنة 47 ق.م و حتى الاحتلال الوندالي له سنة 429م، وقد شملت هذه الدراسة الحدود الإدارية لبلدية سوجولين في العصر الروماني .
و تمحورت إشكالية هذه الدراسة في محاولة الإجابة على هذا التساؤل , ماهي الأهمية الاستراتيجية و الاقتصادية لموقع سوجولين، و ما أنواع الأنشطة الاقتصادية التي تميزت بها سوجولين خلال العصر الروماني؟
و تكمن فرضية الدراسة، في أن أطلال المعالم الأثرية من معاصر زيتون وقصور و خزانات مياه وقنوات ري و مزارع محصنة، و ما جسدته لوحات فسيفساء دار بوك عميرة من موضوعات فنية محاكاة للواقع الذي كانت عليه سوجولين من ازدهار و تقدم اقتصادي و حضاري خلال العصر الروماني.
هذا وقد توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج من أهمها، أن سوجولين تحتل موقعاً استراتيجاً مهم على البحر المتوسط مكن سكانها خلال العصر الروماني من الاتصال و إقامة علاقات تجارية مع جزر البحر المتوسط، كما كانت سوجولين تحتل المركز الأول من ضمن ثلاث مراكز اقتصادية للتجارة المحلية في إقليم تيربوليثانيا، وتعتبر سوجولين البوابة الرئيسية لمدينة لبدة الكبرى من جهة الشرق فهي تتحكم في كل الطرق التجارية التي تربط مدينة لبدة الكبرى بالجزء الشرقي و الجنوبي من إقليم تيربوايثانيا، وكانت سوجولين تمتلك أفضل الأراضي الزراعية من حيت الخصوبة في العالم القديم، وقد مارس سكانها في العصر الروماني جميع أنواع الحرف من صيد و رعي وزراعة وصناعة و تجارة وهو ما وضحته لنا المعالم الأثرية و لوحات الفسيفساء.