ابحث في العناوين، الملخصات، أسماء المؤلفين، والكلمات المفتاحية
لقد عملت الحكومة العثمانية على إلزامية التعليم في الولايات التابعة لها وافتتحت العديد من المدارس لتعليم الصبيان أصول القراءة والكتابة في كل قرية ومدينة دون تحمل نفقات هذه المدارس وإنما جعلت نفقاتها على المواطنين الذين يرغبون في تعليم أبنائهم وإنشاء هذه المدارس وافتتاحها. من هذا المنطلق عمل المواطنون في قضاء زليتن على افتتاح مدرسة ابتدائية تكون رافدا علميا لهم ولأبنائهم ومنها افتتحت المدرسة سنة 1902م وباشرت عملها وكأي مدرسة من المدارس الابتدائية العثمانية كانت مدة الدراسة بها أربعة سنوات يسبقها الصف الاحتياطي (الشعبة) الذي يعتبر بمثابة الروضة حاليا. استمر الحال على هذا المنوال حتى صدر الانقلاب الدستوري سنة 1908م الذي أجريت فيه العديد من الإصلاحات العثمانية الإدارية المستقاة من التعليم الغربي الفرنسي, وعلى اثر ذلك صدرت العديد من اللوائح والقوانين التي تنظم عملية التعليم في الولايات التابعة لحضيرة الدولة العثمانية ومنها ولاية طرابلس الغرب التي صدرت في صددها العديد من القوانين والترتيبات الإدارية اللازمة. ومن هذه اللوائح التنظيمية التي نحن في صدد دراستها الجدول والإحصائية الصادرة عن نظارة المعارف باسطنبول والتي وردت فيها العديد من المعلومات والبيانات التي تتعلق بالمدارس الابتدائية التي انشات في ولاية طرابلس الغرب في تلك الفترة ومنها مدرسة قضاء زليتن الابتدائية التي صدرت في حقها العديد من البيانات والمعلومات الإدارية. عليه من خلال ما سبق يمكننا القول أن التعليم في ولاية طرابلس الغرب خلال العهد الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد حظي بالاهتمام من قبل الحكومة العثمانية خاصة بعد ما صدر قانون التعليم العام لسنة 1884 م ، وتعيين موظف عام للتعليم يحمل لقب المشرف العام والمدير العام لسنة 1899م ثم صدور الانقلاب الدستوري لسنة 1908م الذي عملت فيه الحكومة العثمانية على وضع وإعطاء تعليمات جديدة منها تشكيل مجلس معارف الولاية مع وضع خطة للتعليم العام مستقاة من التعليم الغربي الفرنسي لتنظيم قبول التلاميذ وتحديد مواصفات المعلمين ومستوياتهم في كامل ربوع الولاية.
يتمحور موضوع البحث بـ(دور التعليم في النهوض باللغة العربية بمدينة زليتن)، التي تزخر بالكثير من المراكز الإسلامية التي عرفتها المدينة. فركز البحث على دور علماء زليتن وشيوخها في النهوض باللغة العربية من خلال جلبهم لمناهج أكثر تطورا من خارج ليبيا من أجل تحسين قطاع التعليم ومساهمتهم الكبيرة في النهوض باللغة العربية. وقد اعتمدنا على مصادر أصيلة في إبراز هذا الدور، وحاولنا بمنهجية علمية وبكل موضوعية وإنصاف للحقيقة التاريخية.
في إطار التدوين التاريخي والثقافي ، لمدينة زليتن يتركز موضوع البحث بالأساس الأول على دور هذه المدينة في مجال العلم ومراكزه العظيمة وأعلامه المبرزين في مجال النهضة العلمية من خلال دور الكتاتيب والزوايا بالمدينة ومساهمة هذه المؤسسات التعليمية في النهوض بالمستوى العلمي والثقافي فيها. فمدينة زليتن معروفة منذ القدم وخاصة في فترة العصر الوسيط وبالتحديد في القرن العاشر الهجري ، بأنها مدينة العلم وموطن المعرفة لا ينافسها في ذلك منافس ، إذ تعتبر أولى المنارات والزوايا التي أنشئت في ليبيا ، وكان لها الفضل في نشر العلم والثقافة بين أهلها خاصة ، وفي ليبيا عامة ، فكانت ولا زالت تجذب إليها الطلاب من كل حدب وصوب لتلقي العلوم الدينية وتحفيظ القرآن الكريم ، حيث أصبح خريجيها على مستوى علمي رفيع في العلوم الدينية والقرآنية ، وانتشرت هذه المعرفة وأصبح صداها يجول كل المدن الليبية. وكان هذا الانتشار عن طريق المساجد والكتاتيب والزوايا التي انتشرت بها منذ القدم ، وتحديداً كان ظهورها في القرن السابع الهجري إلا أن العلوم الدينية فيها انتعشت في القرن العاشر الهجري بفضل علمائها وشيوخها وفقهائها. فبذلك لعبت الكتاتيب والزوايا دوراً مهماً في نشر الثقافة الإسلامية وتعلم الناس في مدينة زليتن والقرى المحيطة بها ، وساعدها على الظهور البساطة التي تميزت بها طبيعة التعليم داخل هذه المؤسسات الدينية ، وذاع صيتها حيث أصبح تأثيرها واضح المعالم على المدينة نفسها والمدن الليبية الأخرى ، فأمتد حتى خارج ليبيا ، والدليل على ذلك قدوم الطلاب إليها من كل مكان للتعلم فيها والنهل من علومها الدينية ، فساهمت هذه المؤسسات في إثراء الحياة الفكرية في ليبيا مساهمة فعالة واضحة المعالم ، وأصبحت ليبيا تنافس دول العالم الإسلامي في تحفيظ القرآن الكريم ، ويفضل ذلك مثلت ليبيا دول المليون حافظ للقرآن الكريم على مستوى العالم .